الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

الضغط النّاعم - نورالدين حنيف

 

 


الضغط النّاعم

نورالدين حنيف – كاتب من المغرب

==

في كتابه ( فن صناعة التكتلات السياسية  ) يُعرّف الباحث السياسي ( ليونيل زيتر ) اللوبي بأنه ( حملة ضغط منظمة ومتعددة الأشكال والأدوات، تسعى إلى التأثير في الحكومات ومؤسساتها التنفيذية، والحكومات المحلية، والمؤسسات التشريعية، لفرض أجندات معينة على السياسات العامة، بأساليب الإقناع السياسي ) * 1

يتدثّر هذا التأثير تحت غطاء مجموعة من التسميات أبرزها تسمية اللوبي الذي كان قبل انتشار شروط موضوعية ترتبط بالحداثة و التقانة و سرعة التواصل ، مجرد تكتُّم سرّي ، ثم أصبح مفهوما متداولاً في الأوساط الثقافية و كذا في نسغ المجتمعات و في أوصالِها .

ولقد فتَحَت التقنياتُ الحديثة ، عبر انتشار وسائط الإعلام والاتصال و غيرها ، شهيةَ مفهوم اللوبي كاملةً ، تدعمه في ذلك الآلة الإعلامية ، كي يقرأ السياسة التقليدية من زاويته الخاصة المبنية على التضليل و الكذب لإفساد المشهد السياسي العالمي برمّته . و هو الأمر الذي ينبغي أن ننظر إليه في عمقه ، إذ لا تكتفي هذه الآلة بتحويل القيم و مسخها و ضرب القناعات المؤمنة بها، بل تذهب إلى أبعد من ذلك ، حيث تتحكم في بناء الأجندات الخاصة بالجماعات و الأفراد الذين يتهافتون على الفضاءات الإلكترونية تهافت الفراش على الضوء ، فيما هم يزْورّونَ عن المشاهد الواقعية و التي تخصّهم في حميميتهم بحكم التمويهات الخطيرة التي تمارسُها جماعاتُ الظل . اللهمّ بعض المثقفين الذين استوعبوا اللعبة ، فمارسوا من جهتهم بعضاً من المسؤولية الحضارية ، عبر صرخاتهم الموزَّعة بين النضج العلمي و الانطباع الوجداني ، و التي لا تجد الآذان المصغية الكافية كي يشكلوا معاً قوة ضاغطة مناقضة ، قادرة على تغيير وجه النهر الرّتيب .

إن من سمات هذا التضليل و التغليط ، سمةُ عجن الصواب بالخطأ و الحقيقي بالمزيف ، والصادق بالكاذب ، و الفعلي بالوهمي ، إلى درجة التمييع الموسوم بالقدرة الخارقة على تركيم طبقاتٍ سميكة من التعمية ، تغشى الرؤية و تسيطر عليها و توجهها إلى أهداف تلكم الآلة السائرة في آخر المطاف إلى صناعة الكائن المستهلك و العاجز عن التمييز بين ما هو صحيح و ما هو فاسد . و هنا تحضرني أمثلة تتصل بوضعنا العربي الخاص ، حيث تسمح هذه الفضاءات بتمرير حالاتٍ من الاستعمال اللغوي البعيد كل البعد عن أصالة العربية و عِلميتها و أدبيتها ، بغايةِ مسخ حضورها في الذات العربية في تجلّيها المفرد و الجمعي و السير بها في اتجاه بناء مشروعِ لغةٍ عربية ثانية تتسم في نظر هذه الآلة ، بالمرونة ، التي نسميها نحن مسخاً حضارياً ، من منظورنا الغيور غيرة علمية واعية على هويتنا العربية الإسلامية ، لا غيرةً مجانية مندفعة .

كان هذا مثالاً ، غيضاً من فيضٍ ، أو شجرةً تخفي غابة . و ما خَفِيَ كانَ مُحرّكاً لوعينا بضرورةِ الحديث عن تغير شروط المشهد السياسي داخل هذه المنظومة الحداثية الطافحة بالمتغيرات الجذرية ، في قراءة للحالِ المكذوبةِ و الكاذِبَة على واقعنا العربي و المغربي على حدّ سواء . و هي الحالُ التي أفرزتْ كثيرا من التقليعات السياسية القابضة على محور الكذب باعتباره الوجه التطبيقي المناسب لروح العصر المخاتِلَة و المبتعدة في إصرار غريب عن كل ما يقرّب إلى القيم الإنسانية الحاملة لحقيقة ( الله ) المطلقة ، و الحاملة تباعاً للمقولات الرسالية المحمدية المتفرّدة في صناعة الحضارة . من هنا ندرك عمق و خطورة هذا التوجه العالمي المبني وفق تصوّر عدائي لكلّ ما هو شرقي موسوم بالمحمّديّة النقية و التقيّة و الراقية . و هو تصوّرٌ عدائيٌّ يتلبّسُ داخل أقنعة متعددة ، بين العلمي و الفلسفي و الفني و الأدبي و الفلكلوري و غير ذلك من القنوات الحاملة لإمكانية الضغط الناعم على الأفراد و الجماعات و توجيهها التوجيه المرغوب فيه .

إن عمليات الضغط  لا تنسج خيوطها القاهرة بيد من حديد إلا في الحالات المستعصية ، و حتى هذه الحالات يسبقها إصرار ماكر على تفعيل السياسة الدولية انطلاقاً من التمرير النّاعم للكذب التاريخي ، تبريراً يدعم الفعل السياسي غير المشرعن . و أبرز مثال لذلك هو تسويغ الدخول الغربي إلى بلاد العراق عام 2003 تحت ذريعة امتلاك هذا البلد لأسلحة الدمار الشامل ، مما أقنع الرأي الدولي ، و ضمنه الإقليمي و المحلّي العربييْن  ، بشرعية هذا الدخول و قِيَمه الإيجابية لأنه يندرج في إطار المصلحة الدولية العامّة ، إن لم تكن هي المصلحة الكونية ، والتي تحتاج إلى وصيّ عليها ، فلا يجد المقام الكوني إلا هذا الغرب السيّد و المتسيّد ممثِّلاً  مناسبا لحمل هذا الثقل الحضاري .

لا تعلن هذه الوصاية عن ذاتها بشكل مباشر ، لأنها – أصلا – مرفوضة في برّانيةِ خطاب الجماعات الضاغطة والمُسوّقة لمنظومة القيم التي لا تني هذه الجماعات لحظة واحدة في تكريسها و السعي الدؤوب لنشرها على أوسع نطاق . و تعلن عن ذاتها في أشكال أخرى تتسرب في نسغ العلاقات الدولية بشكل مُلمّع يعانق المنطق السليم و يسري في أوصال المجتمعات سريان الحاجة الحتمية .

...

*1Zetter, L. Lobbying - The Art of Political Persuasion, (Harriman House LTD, Petersfield-UK, 2008). p. 3

==

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...