الجمعة، 6 أكتوبر 2017

مقاربَة في زجلية للشاعر محمد السقاي

محمد السقاي،  شاعِرٌ
حرْفُهُ غاضِبٌ بِنَقاء
...




يُمْلِي عَلَيْكَ الْعَوْمُ في بُحُورِهِ أنْ تَكُونَ مَجاذيفُكَ ذَكِيّة ، وَ إن لمْ يَكُنْ ، خانَكَ الْجَذْفُ و التجديف ، يَضْرِبُ في الرّغْوَةِ بدَلَ أنْ يَضْرِبَ في الْماء . هكَذا أتمَثّلُ شاعِرَنا الْمُتَعَدّدَ في الْبَوْحِ ، حاضِراً مِثْلَ ماءٍ ، قَوِيّاً مثْلَ ماءٍ ... وَ مُنْسَاباً بِغَضَبٍ نَقِيّ ... مِثْلَ ماء .
أوْقفَتْنِيَ الْقَصيدَة الزّجليّةُ لِأنّها تَفيضُ تَأوّهاتٍ عَلى حالٍ لَمْ يَعُدْ فيهِ مَكانٌ للصّبْر . وكلّ آهَةٍ في هذا الْمَقامِ افْتِتاحٌ لِجُرْحٍ يَغُورُ في الذّاتِ حتّى الْألَم ، الّذي صاغَهُ الشّاعِرُ بِذكاءٍ انْسِيابِي " سَيّابِيّ " نِسْبَةٌ لِ " بدر شاكِر السّيّاب " فِي غَيْرِ تناصّ أو اقْتِباس ، إنْ هُوَ إلّا مُشْتَرَكُ الْآهَةِ الّتي خَلّدَتْ عِنْدَ كِلَيْهِما فِعْلَ الشّعْر.
خَمْسُ آهَاتٍ تُسَوّرُ أسْوارَ الْقَصِيدِ ، لِتأتِيَ الزجَلِيّةُ مُحَصّنَةً ضِدّ الْخُروجِ عنْ نَسْغِ الرّؤْيا الْفَنيّة الْوُجُودِيّة للذّاتِ وَ هْيَ تَمُورُ مَوْراً فِي أتُونِ الْعَذاباتِ فِي غَيْرِ بُكائِيّةٍ ولا نَدْبٍ ولا انْتِحاب ... خَمْسُ آهَاتٍ هِيَ صَرْخاتٌ تُتَرْجِمُ حَجْمَ الْوَجَع وَتتَحَوّلُ أصْواتاً واصِفَةً فاضِحَةً لِأبْعادِ الْجُرْحِ الْمُتَغَوّلِ في الذّات .
وَ خَمْسُ وَرْطاتٍ تَنْغَمِسُ فِيها هَذهِ الذّاتُ ، تُلَخّصُ فِينا تَارِيخَ الصّمْتِ والْخَواء وَ الْخَوْف ، مَظَاهِر لِوُجُودٍ إنْسانِيّ يَفْقِدُ يَومِيّاً إنْسانِيّتَهُ بِفِعْلِ التّواطُؤ مَعَ السّكُونِ بِصِيغَةِ الْهَزِيمَة :
الْأولى : نَكْبَة
الثّانِية : كذْبَة
الثّالِثة : كِيّة ، بِمعْنى انْكِواء
الرّابِعَة : شَرْ ڭـة ، بِمَعْنى  تمَزّق
الْخامِسَة : غُرْبَة
وَ لوْ أرادَ الْباحِثُ في تارِيخِ الْحزْنِ أنْ يَكتُبَ عنْ حالِ الذّات " الْمَحلّية أو الوَطنِيّة أو الْإقلِيميّة أو الْإنسانِيّة " لَما كَفَتْهُ مُجلّداتٌ ، لكِنّ الشّاعِرَ – بصِفَةٍ عامّة – يَمْتلِكُ ما لا يَمْتَلِكُ غَيْرُه ، منْ حَيثُ الْقُدْرَةُ اسْتِنْطاقِ الْإشَارَة لِتَولِيدِ الْمَعنى و الدّلالَة والرّمز والاِنْزِياح  و غَيْرِها ، من الْأبْعاد التّعْبِيرِيّة ... و هُنا تَكْمُنُ قُوّةُ صاحِبِنا محمد السّقّاي ، وَ هوَ يُمْسِكُ بِعُنُقِ الْقُمْقُمِ السّحْرِيّ ليُفَجّرَ يَنابِيعَهُ ماءً غاضِباً في نَقاء ... ولَكُمُ أنْ تُلاحِظوا مَعِي كَيْفَ وَصَفَ الشّاعِرُ تارِيخَ الْهَزِيمَة بِتَدَرّجٍ مَنْطِقيّ في نَسَقٍ خُماسِيّ يَنْسَجِمُ معَ نَفْسِهِ ولا يَتَناقَضُ :
فَعِندما أصابَتْنا النّكْبَةُ ، لمْ نُصَدّق
فَظَنَنّاها كذْبَة ، لأنّ الذّاتَ منْتَفِخَة
وَعِنْدما اكْتَشَفْنا بِمَرارَة أنها حَقيقَة ، انْحَرَقْنا بِلَهَبِ الْكيّة
وَعِنْدما غَارَتِ النّارُ في الدّاخِلِ ، أدْرَكْنا حجْمَ التّمَزّق - شرْ ڭـة 
وَ عِنْدما لَمْ نتمَكّنْ منْ تَجاوُزِ حجْمِ هذا الْمُرَكّبِ سَلّمْنا بِواقِعِ الْاغْتِرابِ في أوطانِنا
الله ... الله ... الله ... علَيْكَ يا محمّد
وَصَفْتَ وَ أوْجَزْتَ فَكَفَيْتَ ... وَ حَبَسْتَ لِسانِي عِنْدَ تُخُومِ هذا الْجمالِ الزّجَليّ الْماتِعِ ، أغْرِفُ منْ نَسَقِهِ الْخُماسِيّ مَغارِفَ ضَوْءٍ يَشِعّ على عَتْماتِ جُرْحٍ فِينا سَاكِنٍ إلى حين ... وَ إلى ذلِكَ الْحِين أقولُ لَكَ يا صَدِيقي : الزّجَلُ بِخيْرٍ طالَما حُرّاسُهُ منْ طِينَتِك .
...

أنظُر النّص :
تا هي غير نكبه آوه
تا gول نكبات
جات سربات
علامها اكحل من بارودو...
تا هيه غير كدبه آوه
تا gول كدبات
يمسحو اسما ب ليgات
منهم القاضي وشهودو...
تا هي غير كيه آوه
أتا gول كيات
كيها خلا وشمات
شاهده على ضلم فات حدودو...
تا هي غير شرgه آوه
تا gول شرgات
خندgت ف الدات
ومريضنا تسوس عودو...
تا هي غير غربه آوه
أتا gول غربات
ف التيه مشات

هاربه م القهر وعمودو...
...

                                           بقلم : نورالدين حنيف

مقاربَة تحليلية في زجلية للشاعرة رحمة المسعودي


رحمة المسعودي
شاعرة تُغنّي زجلا
...


تمسكُ الشاعرة الزّجّالة رحمة المسعودي في كفها أغنية بحجم روحها المحلقة في سماوات الفن . وبحرف رقيق وَ راقٍ ، استطاعتْ أن تُحْرِجَ المعنى القابع خلف دسيسَة الحبّ حينما يتواطأ القلب مع الغياب ، ويجرّان على العاشق ألوان العذاب ، في كلماتٍ عِذاب ، تنسجها ذائقة فنيّة ، دلَفَتْ إلى عالم الزجلِ ، منْ خيرِ الْأبواب .

في البدءِ ، صاغتِ الشّاعرةُ بوحها على صيغة الأمر ، الخارج من تخومِ المعنى الحقيقي إلى فسحات المجاز ، حيث يتحول الأمر إلى استنكار لهذا الفعل المشين الذي يمارسه القلب على الذّات في سادية غريبة ، إمعانا في توريط هذه الذّات الجميلة العاشقة داخل بؤر التوتّر ...

ما يوضّح هذه السّادية المفعمة بالقوّة النابضة بالتوتّر ، اختيار الشاعرة مفردة { الذّل } في صيغة فعل الأمر الاستنكاري ، وفي صيغة اسمية منسوبة إلى الذّات ، مرشّحة إلى الزيادة في شرب كؤوس الذّلّ ... ومرشّحة أيضا إلى الانكواء بطعم الشراب الفاتكِ بسيماء العشق الّذي ارتأتهُ الذّات نقيا تقيا ، وإذا به يتحوّل إلى { غْرامْ مْهبّلْ } مسيطر على أقانيم الوجع ، يوجهها كيفما شاء إلى حيث شاء .

تطلع علينا الشاعرة بلغة من صميم " لمر ڭد " بحمولتها البدوية العامرة بالمعنى والتي أصبحت متداولة في عموم " العروبية " المغربية ... اختيار ذكي من الشاعرة في توجيه دفّة الابداع إلى مزيد من الضوء لزجل راقٍ ، يمتح مادتَه من صميم العمق الشعبي في غير مسافة صانعة للغرابة بين المتكلم والمتلقي ... والكلمة هي { الڭاشوش } بمعنى الداخل الغائر الغابر حيت يسكن الشوق كما سطرت الفاضلة رحمة المسعودي .والذي يزيد من تأجيج حالات الاشتعال في اتجاهِ تحجيم شبح الذّلّ الذي عاد ليتمسرح ثانيا على صفيح البوح ... عنواناً للانكواء وبرهانا على عجز الذات عن احتواء اللحظة السديمية الهاربة من قبضة الفهم و الاستيعاب لما يجري داخل ال { الڭاشوش }

تأتي اللغة ، عرائس لا ترقص طربا وترقص جرحا ، استحابة لإيلام شديد ، ر قصا " عْرُوبيا " حيث مؤشر المحليّة موقف جميل { نْڭدّدْ } وهو فعل موغِلٌ في التأزيم في صورة سلوكية قضمية كرد فعل على التوتّر ، حيث تتجلّى الذّاتُ كائنا يقضمُ أصابعهُ في ضعف يخفي عجزا أكيدا على مواجهة جبروت الحدث { نْڭدّدْ صبْعانْ لْغشْمَة } وفي مازوشية شعرية ماتعة

لا أريد أن أتتبع مضمون القصيدة ، فهو مرئيّ لذي عين ، وأريد أن أبحث معكم عن سرّ هذه الجمالية الخارجة من مستويات البناء ... اللغة شاحذة ذاتها بامتياز في رقة واخزة ... والإيقاعُ هامس في حزن يتوسل أروية متعدّدة تعدّد محطّات التحولات النفسية المشروخة في أسطوانة التعذيب ... واختيار المفردات يبين عن تحكّم رقيق في تربة الزجل في غير إقحام للفصيح ، وفي غير ابتذال للعامي ... والاستعارات نهايات لبدايات جليلة حيثُ – وعلى سبيل المثال لا الحصر – يتجلى الجوف نارا والخدّ مساحة انكتاب والكلام الغيري رصاصا والعقل فرسا تائها في سربة أَتْيَه ... وهكذا ، ودائما ، حتى نهايات الدفق الدلالي والنفسي والموسيقي حيث تتمفصل المستوياتُ كلها أيقونة واحدة تشي بامتلاك الفاضلة " رحمة المسعودي لنبض الزجل موسوما يميسم الأنثى حين تقرّر أن تقول ... وإذا قالتْ فصدّقوها ، فالقول ما قالت " حذام "

أقف عند هذا الحدّ لأترك للقارئ شيئا من النور في يديه ، كي يستمتع بالسنا الخارج من مشكاة راقية تعجن الضوء بالكلام ... وعليّ وعلى رحمة ألف سلام
...


أنظر النص :

ذلل
ذلل ياقلبي
وزيد من ذلي
على حر لغرام
لمهبلني...
الشوق لمخبي
فالكاشوش
معذبني...محيرني
خلاني غارقة ف ذلي
نكدد على صبعان الغشمة
حتى واحد ماعرف
اش الحكمة
شحال من هدرة
شحال من كلام
تساس
وطلع رقاص
هرس الكانة
بلااحساس...
ذلل ياقلبي
وزيد ف ذلي
الهم همي
وهموم الدنيا من جوفي دنات
الشوق تزمم ف وراق
وراق لعبت بها دموعي
على الخد ترسمات
الفاهم يفهم...
زاد فقلبي جرحات
فايضة بالدم...
لعقل سارح...
مسرج خيلو
تايه وسط السربة
بلا ميزان
جافل...
من كلام الناس
دكدك يا قلبي
وزيد دكدك
دكدك نبضات فادي
تخليني نعرفك
بين الماجي
والغادي
نعرف ذاك وذاك
ولي قاطع حفيان
ف وادي...
مغامر بين الطين
والصخر...
ماعرف مايا ساكت
ولاهرهوري
ف اعماقي كلام
يهدم...
يكسر الخاطر
يلا تكال...
بين دارك
ولمخبي فكسدة
كسدة فاسدة من نهش
لغدر...

ومن كلام ذيك وذاك
...

                                      بقلم : نورالدين حنيف

الخميس، 5 أكتوبر 2017

مقارَبة في زجلية للشاعر حسن درويش


الْحسَن درْويش  شاعِرٌ
يُطَرّزُ الْمَعْنَى فِي مَنادِيلَ منْ شُـعَاع
...

لَمْ أعْرِفْهُ إلّا طائِراً فِي الْموْعِدِ مَع الْكَلِمَة ، لا يُغَادِرُ سَماواتِها إلّا لِيعُودَ إلى حِضْنِها ، مُحَلّقاً فِي شسَاعَتِها الْمُغْرِيَة بِالْعَوْمِ في زُرْقَتِها ، بِأجْنِحَةٍ منْ ورَقٍ ... والْوَرَقُ نَسِيجُ قَلْبِه ... والْقَلْبُ " برْكانِيّ " التّرْبَة ، " مغْرِبيّ " الرّؤيَة ، " كَوْنِيّ " الرّؤيا ... منْ ثَمّةَ تنَاسَلَتْ زَجلِيّاتُ " الحسن درويش " حِكْماتٍ وارِفَةً تتَوسّلُ الْعِبارَةَ الْعائِمَة ، واللّفْظَ الرّشيقَ ، والْإيجازَ الْعامِر .
يأتِي هذا النصّ الْ بيْنَ أيْدِينا ، غَيْضاً منْ فَيْض ، عَوّدنا فيه الشّاعِرُ على الدّهْشَة في كلّ قصائِدِه الّتي يَنْشُرُها دونَ تَعب ، ودونَ صَخَب ... وَكأنّ بيْنَهُ وبيْنَ السّماءِ مواعِيدَ يَخْشَى فَواتَها ، عِشْقاً جميلاً لِسَمْتِ الْكَلِمَةِ الْعامِرَةِ بالْجمال ...
يا مْوَسّخْ لعْقَلْ رُدْ لْبالْ
لا تبْكِ بْ دْمُوعْ لْحَالْ
نْفَضْ رَاسكْ تلْقَى السّؤالْ
منْ وْرَا الدّقّة تفْتحْ لْبَابْ
هِيَ سارْحَة  ، والدّنْيَا كْتابْ
ولْعَاشقْ ، منْ طِينُو تْرابْ
يَفْتَتِحُ الْمتْنُ الدّرْويشيّ مغَالِيقَهُ بِالنّداءِ الْخارِجِ عنْ معْناه الْحَقيقي الطالِبِ إقْبالاً منَ الْمُنادى عَليْهِ ، كما وَصَفَتِ الْبلاغَةُ الْعَرَبِيّةُ ... لِيُحَمّلَهُ بُعْداً آخَرَ ، رَمْياً مُصِيباً سِهامَهُ في مَقْتل ، مُوجّهاً إلى مُخاطَبٍ مَوْسُومٍ بالْغَفْلَة ، وَ إهْمالِ أجملِ مُكوّنٍ في الْإنْسان ... الْعقْل ... وَهُوَ نِداءٌ أكْبَرُ منْ أنْ نَخْتزِلَهُ في الدّرَنِ بالْمعْنى الْمُباشِر الّذي تمْسَحُهُ جَرّةُ إسْفنج ... إنّهُ الْعَقْلُ الْمُعَطّلُ عنْ دَوْرِهِ في النّقاء والْإشْعاعِ والحَرَكَة .
لِهذا يَدْعُو الشّاعِرُ الْمُخاطَبَ الْافْتِراضي ... ونَقولُ – افْتِراضِي – لأنّ الشّاعِرَ يُرٍيدُ أنْ يُوَسّعَ دائِرَةَ التّداوُل ، منْ مُخاَبْ فِعْلِي إلى مُخاطَبْ يعْلُو على حُدودِ المَكانِ والزّمان ... لِهذا يَدْعُوهُ إلى تَرْكِ السّكُونِيّة وَ تَبَنّي الْحَرَكِيّة ... { ردْ لْبالْ – لا تبْكِ بْ دمُوعْ لْحَالْ } ... الْيَقَظَة وَ الْفعْل في مُقابِلِ الْوصْفِ السّلْبِيّ ، لِأنّ الدّموعَ في خلاصَتِها وَصْفُ سَائِلٌ مَائِيّ يَغْشَى الْبَصِيرَةَ عنِ الْفعْلِ وَ يُثَبّطُ إرادَتَها عنِ الْرّؤيَة .
وَ بِذكاءٍ نَوْعِيّ تمْسِكُ بَوْصَلَةُ الشّاعِرِ باتّجاهِ الْقَصِيدة تَوّا إلى نُقْطَةِ الضّوء ... السّؤال ... { نْفَضْ راسكْ تلْقَ السّؤالْ } ... والْعِبارَة مُنْتَقاةٌ بِحِسّ الْعارِفِ الْغَارِفِ منْ مِشْكاةِ النّور . فَنحْنُ بِحاجَةٍ إلى أنْ ننْفُضَ عَنّا غُبارَ السّكونِ والْألْفَة والْعادَة الّي تَغَوّلَتْ ، وظَنَنّاها أسْطورَةَ الْحياة ... الشّاعِرُ هُنا يَتَبَنّى موْقِفَ خَلْخَلَة الثّوابِت في حَرَكَةٍ نَافِضَة رافِضَة لِواقِعِ الْوسَخ والْجمودِ والهَزِيمَة قَبْلَ الْخُروج ... إنّ لِفعْلِ { النّفْض } دلالَة قَويّة ، خاصّةً إذا تنَاوَلْناهَا منْ زاوِيَة شَعْبِية في صُورَة منْ يُمْسِكُ بالْعَصا ويَضْرِبُ على ظَهْرِ اللّحافِ كيْ يَنْزَعَ عنْهُ ما عَلِقَ منْ غُبار ... تأمّلُوا مَعِي الصّورَة ... وللّهِ درّكَ يا الْحَسَنْ .
والسّؤالُ ... آلِيّةٌ يُدْرِكُ الشّاعِرُ قُوّتَها ، لأنّها تَسْتَدْعِي إجاباتٍ خارِجَة عنِ الْمألُوف ، بِدايَةً لِوَعْيِ الذّات والْماحَول . فالسّؤالُ انْفِتاح ، والانفِتاحُ خُروج ، والْخُروجُ اكْتِشاف ، والاكْتِشافُ هوَ الْحياةُ ...

لا أزيدُ على هذا ... فحسَاسِيةُ الشّاعِرِ الحسَن الفنيّة ، حساسيةٌ ولّادَة ، تتناسَلُ فيها الْمعاني ، ومنَ الْمعاني تُولَدُ الرّموز ، ومن الرّموزِ تنْبَثِقُ الْأبْعادُ ... وحسْبُ قَلَمِي منْ هذا الثّراء أنني ناوَشْتُ كرٍيماً ، فَكانَ قَصِيدُهُ أكْرَم
...
نورالدين حنيف

مقاربَة تحليلية في زجلية للشاعر رجال الادريسي


رحّال الإدريسي
شاعرٌ يُحاوِرُ الْماءَ فِي جلالِ التّكْوين
...

الماءُ ، مكوّنٌ فاعلٌ ومنْفعلٌ ، لا يحضر في زجليّة الشّاعر " رحّال الإدريسي " بصفته الطبيعية المنسابة شكلاً سائلاً من السّيولة ، ولكنْ يحضر في القصيدِ كحقلٍ دلاليّ عامر بالأبعاد وصارخ بالرؤى ومفعم بالرمز ... يحضر إشكالاً سائلاً – من السّؤال – الْملحّ على الذّات بالتجلّي المتوتّر والْغاضب والْمترنّح بين وجودين : وجود الانحناء ووجود الهامات .

" رحّال الإدريسي " مثقف من أبناء الصاخبة " البيضاء " سليلُ حيّ شعبي ، أرضعهُ عشقَ المكان في امتداده الإنساني بدءاً بتخوم الدّرب إلى حدود القرية " لْمرڭدْ " إلى أفق الانتماء الكوني ، في قناعة شعريّة جليلة بتبني شخصية الجمال في كلّ أشكَاله المُمكنة وغير الممكنة  .

نلتَقيهِ في زجليّة عامرة بكلّ شيء ومزدحمة بالقوّة حتّى نسيتْ أن تسميَ نفْسَها في دثار عنْوانٍ يحاصِرُ امْتدادها الرّحب ... لهذا بدأتِ الْقصيدَة بخطابٍ نوعيّ ، يُحاورُ " الْڭلّة " بلْ يجسّ نبضَها كيْ يحظى بشرْبَة هنيئة في أزمنَةِ الصّهدِ المتغطْرِس ... وتصَوّرْ معي ، أيّها الْقارئُ الْجميلُ وضْعَ امْرئٍ يحْتوِيهِ الظّماُ ، فَيمْسكُ بِعُنُقِ " الْڭلّة " ، الْجرّة ، يحرّكُها في تلْقائِية حركةٌ ميكانيكية تشِي بفرحةِ اللقاء بينَ الْعطشِ والْارْتواء ، يرِيدُ أنْ ينْهَل ... فيخْرُجُ بَدَلَ الْماءِ كائِنٌ قَبيحٌ " بوجعْرانْ "  ... مَا يكونُ ردّ فِعْلِك ؟ غيرَ الشّعور بالْغبْنِ في أقصى حدود الْقَسْوة الْهازِئَة ، في تشكيلٍ دلاليّ ، يمْتَح مادّتَهُ السّاخِرَة من الضّحِكِ الْأسودِ ، كما سمّاهُ الرّوائي " إميل حبيبي " ...

وفي ثنايَا ثنائِيّةٍ واخزَة ، تجمعُ بينَ مقُولَتيْ " الصّهد " و" الْارْتواء " يتشكّلُ عالم هذه الزجليّة المْسومَة بالذّكاء ، وهيَ تَفْضَحُ شكْلَ النّضالِ الْخاوي المتخَفّي خلْفَ الصّراخِ الْأجوف ، مجسّداً في إشارة لمّاحَة " الوادْ الْهرهورِي " ... وفي الْمقابِل ، هي تمْدَحُ أشكالَ النّضال الْعامِرِ بالصّمتِ القويّ " الوادْ السّاكتْ " ... وبينَ الْإشارتينِ نبعَ عالَمٌ جميل من التشكّلاتِ الاسْتعاريّة ، سيّدها هو عنصرُ الْماء في تجليّات متنوّعة غنيّة وماتِعَة :

كيْفَ ينْكسِرُ الْماءُ ؟ هنا يخرجُ عليْنا السّي رحّال بانْزياحٍ جليلٍ يغْتَني بالْمجاز الْمرسل ، في اجْتِهادٍ بلاغيّ لا يُكرّرُ الْمقولات الْقديمَة ، ويتوسّلُ عنصُرَ الْمُجاورَة بينَ الْمحتوى والْمُحتوي ، بين الْماء والْجرّة ، ليصّعّدَ بالصّورَة إلى مِخْيالٍ شعْبيّ يدْعو صاحِبَ " الْڭلّة " إلى ممارَسَةِ فعْلِ الْجبْر ، في صورَة بدويّة تقليديّة جميلَة يرَتّقُ فيها الْبدويّ الْجرّة بسِلْكٍ زيادَةً في عُمْرِها ... منْ هنا قدرَة الفاضل " رحّال الإدريسي " على استثْمارِ الْمخيالِ الشّعْبي للدّفعِ بجمالِيّة الزّجل إلى آفاق أوسع .

تخْرُجُ عمليّةُ الْجبْرِ من الْحسّي " الْڭلّة " إلى الْوظِيفي { آجِيوْ نْجَبْرُو لْما – يتْقَادْ صُوتُو} ... لا يُصْبِحُ الْماء ماءً في ترْكيبٍ يذْهَبُ بالْألقِ بعيداً عن التّشْييئِ الْخاوي ، ويتحوّلُ الْماءُ إلى منْظُورٍ جمْعيّ لحركيّة النّضال ، المتطلّبَة لعمليّاتِ التصْحيحِ في زمنِ الصّراخ الصّاخِب الْفاتِكِ بشرْعِيّة النّقاء بدلَ الدّرن ... والاسْتواء بدلَ الْعوَج { يتْقادْ } ... وهُو فعْلٌ حامِلٌ للضّوء في رمزِيّة قويّة تفضّلُ الماءَ أيْ النّضال ، صامِتاً مستقِيما على الْماءْ أي النّضال الصّاخِب بغير جدوى .

اسْتِعارَة أخرى لا تقِلّ عنْ سابِقاتِها روعة ، وترْتبِطُ بانْبِعاثِ الْفرَس الْحرّ منَ الْماء ، في تشْكِيلٍ أسطوريّ يقابِلُ انبعاثَ العنقاء من الرّماد ... { فاقْ عَوْدْ لْما مخْلُوعْ } ... وهو فرسٌ لم توقِظْهُ حركيّة الْماء عندما كان الوادي " هرهوريّاً " ... واسْتفاقَ في حالاتِ صمْتِ الْماء في انْثِيالٍ جميلٍ للصّور الْممكِنَة والْمُتناسِلَة من هذه الاسْتِعارَة الْأمّ ، والّتي تتَفذّى دائماً منْ هذا الْمخيال الشّعبي الثّرّ .

قد أكون قارِئاً دونَ توهّجِ الْقصِيدَة ، لكنْ ما يَشْفَعُ لي قراءَتي ، أنّني أمْتلِكُ بعْضَ الضّوءِ في كفّي ، بمصيرِ الْخُفوتِ لولا وهَجُ حرفِ السّي رحّال ، الّذي أتاحَ ليراعي فرْصَة الْمقارَبَة في عالَمٍ لا تَكْفِيهِ جلْسَة ... بلْ جلْسات .
...
نون حاء
أنظر النصّ :
قلقلت ماكْ ياگلة
طلع بوجعران 
تسلّيت بيك يا سلّة
ؤ هادا ما كان
هزّيتك نبرّد بْ ماكْ
تهرّس ماكْ
بحكم قاسي
بصهد لْحگرة طاب
ما بْقى گاسي
گالو طاحت ليد ف طّاس
نحسب شْحال من يد
و شْحال من طاس
يگول طاسي
و شحال من راسْ
يگول أنا راسي
آجيو نجبرو لْما
يتقادْ صوتو
يسكت خريرو لخريرْ
يدوز فْ وادو صامت
الحملة الحملة
تفيّق نعاسي
يسكت لما ف وادو
يشربوه صامت
يبرد جوف
جوف كل مناضل قاسي
سالات الحملة 
والراس راس
كلها يگول انا راسي
فاق عَوْد لْما مخلوع
واخّا ماهْ ساكت
لعجينة لْخامرة
دارت بومزوي 
...
نورالدين حنيف

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...