الجمعة، 6 أكتوبر 2017

مقاربَة تحليلية في زجلية للشاعرة رحمة المسعودي


رحمة المسعودي
شاعرة تُغنّي زجلا
...


تمسكُ الشاعرة الزّجّالة رحمة المسعودي في كفها أغنية بحجم روحها المحلقة في سماوات الفن . وبحرف رقيق وَ راقٍ ، استطاعتْ أن تُحْرِجَ المعنى القابع خلف دسيسَة الحبّ حينما يتواطأ القلب مع الغياب ، ويجرّان على العاشق ألوان العذاب ، في كلماتٍ عِذاب ، تنسجها ذائقة فنيّة ، دلَفَتْ إلى عالم الزجلِ ، منْ خيرِ الْأبواب .

في البدءِ ، صاغتِ الشّاعرةُ بوحها على صيغة الأمر ، الخارج من تخومِ المعنى الحقيقي إلى فسحات المجاز ، حيث يتحول الأمر إلى استنكار لهذا الفعل المشين الذي يمارسه القلب على الذّات في سادية غريبة ، إمعانا في توريط هذه الذّات الجميلة العاشقة داخل بؤر التوتّر ...

ما يوضّح هذه السّادية المفعمة بالقوّة النابضة بالتوتّر ، اختيار الشاعرة مفردة { الذّل } في صيغة فعل الأمر الاستنكاري ، وفي صيغة اسمية منسوبة إلى الذّات ، مرشّحة إلى الزيادة في شرب كؤوس الذّلّ ... ومرشّحة أيضا إلى الانكواء بطعم الشراب الفاتكِ بسيماء العشق الّذي ارتأتهُ الذّات نقيا تقيا ، وإذا به يتحوّل إلى { غْرامْ مْهبّلْ } مسيطر على أقانيم الوجع ، يوجهها كيفما شاء إلى حيث شاء .

تطلع علينا الشاعرة بلغة من صميم " لمر ڭد " بحمولتها البدوية العامرة بالمعنى والتي أصبحت متداولة في عموم " العروبية " المغربية ... اختيار ذكي من الشاعرة في توجيه دفّة الابداع إلى مزيد من الضوء لزجل راقٍ ، يمتح مادتَه من صميم العمق الشعبي في غير مسافة صانعة للغرابة بين المتكلم والمتلقي ... والكلمة هي { الڭاشوش } بمعنى الداخل الغائر الغابر حيت يسكن الشوق كما سطرت الفاضلة رحمة المسعودي .والذي يزيد من تأجيج حالات الاشتعال في اتجاهِ تحجيم شبح الذّلّ الذي عاد ليتمسرح ثانيا على صفيح البوح ... عنواناً للانكواء وبرهانا على عجز الذات عن احتواء اللحظة السديمية الهاربة من قبضة الفهم و الاستيعاب لما يجري داخل ال { الڭاشوش }

تأتي اللغة ، عرائس لا ترقص طربا وترقص جرحا ، استحابة لإيلام شديد ، ر قصا " عْرُوبيا " حيث مؤشر المحليّة موقف جميل { نْڭدّدْ } وهو فعل موغِلٌ في التأزيم في صورة سلوكية قضمية كرد فعل على التوتّر ، حيث تتجلّى الذّاتُ كائنا يقضمُ أصابعهُ في ضعف يخفي عجزا أكيدا على مواجهة جبروت الحدث { نْڭدّدْ صبْعانْ لْغشْمَة } وفي مازوشية شعرية ماتعة

لا أريد أن أتتبع مضمون القصيدة ، فهو مرئيّ لذي عين ، وأريد أن أبحث معكم عن سرّ هذه الجمالية الخارجة من مستويات البناء ... اللغة شاحذة ذاتها بامتياز في رقة واخزة ... والإيقاعُ هامس في حزن يتوسل أروية متعدّدة تعدّد محطّات التحولات النفسية المشروخة في أسطوانة التعذيب ... واختيار المفردات يبين عن تحكّم رقيق في تربة الزجل في غير إقحام للفصيح ، وفي غير ابتذال للعامي ... والاستعارات نهايات لبدايات جليلة حيثُ – وعلى سبيل المثال لا الحصر – يتجلى الجوف نارا والخدّ مساحة انكتاب والكلام الغيري رصاصا والعقل فرسا تائها في سربة أَتْيَه ... وهكذا ، ودائما ، حتى نهايات الدفق الدلالي والنفسي والموسيقي حيث تتمفصل المستوياتُ كلها أيقونة واحدة تشي بامتلاك الفاضلة " رحمة المسعودي لنبض الزجل موسوما يميسم الأنثى حين تقرّر أن تقول ... وإذا قالتْ فصدّقوها ، فالقول ما قالت " حذام "

أقف عند هذا الحدّ لأترك للقارئ شيئا من النور في يديه ، كي يستمتع بالسنا الخارج من مشكاة راقية تعجن الضوء بالكلام ... وعليّ وعلى رحمة ألف سلام
...


أنظر النص :

ذلل
ذلل ياقلبي
وزيد من ذلي
على حر لغرام
لمهبلني...
الشوق لمخبي
فالكاشوش
معذبني...محيرني
خلاني غارقة ف ذلي
نكدد على صبعان الغشمة
حتى واحد ماعرف
اش الحكمة
شحال من هدرة
شحال من كلام
تساس
وطلع رقاص
هرس الكانة
بلااحساس...
ذلل ياقلبي
وزيد ف ذلي
الهم همي
وهموم الدنيا من جوفي دنات
الشوق تزمم ف وراق
وراق لعبت بها دموعي
على الخد ترسمات
الفاهم يفهم...
زاد فقلبي جرحات
فايضة بالدم...
لعقل سارح...
مسرج خيلو
تايه وسط السربة
بلا ميزان
جافل...
من كلام الناس
دكدك يا قلبي
وزيد دكدك
دكدك نبضات فادي
تخليني نعرفك
بين الماجي
والغادي
نعرف ذاك وذاك
ولي قاطع حفيان
ف وادي...
مغامر بين الطين
والصخر...
ماعرف مايا ساكت
ولاهرهوري
ف اعماقي كلام
يهدم...
يكسر الخاطر
يلا تكال...
بين دارك
ولمخبي فكسدة
كسدة فاسدة من نهش
لغدر...

ومن كلام ذيك وذاك
...

                                      بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...