الْحسَن درْويش شاعِرٌ
يُطَرّزُ الْمَعْنَى فِي مَنادِيلَ منْ شُـعَاع
...
لَمْ أعْرِفْهُ إلّا طائِراً فِي الْموْعِدِ مَع الْكَلِمَة ، لا يُغَادِرُ
سَماواتِها إلّا لِيعُودَ إلى حِضْنِها ، مُحَلّقاً فِي شسَاعَتِها الْمُغْرِيَة بِالْعَوْمِ
في زُرْقَتِها ، بِأجْنِحَةٍ منْ ورَقٍ ... والْوَرَقُ نَسِيجُ قَلْبِه ... والْقَلْبُ
" برْكانِيّ " التّرْبَة ، " مغْرِبيّ " الرّؤيَة ، " كَوْنِيّ
" الرّؤيا ... منْ ثَمّةَ تنَاسَلَتْ زَجلِيّاتُ " الحسن درويش " حِكْماتٍ
وارِفَةً تتَوسّلُ الْعِبارَةَ الْعائِمَة ، واللّفْظَ الرّشيقَ ، والْإيجازَ الْعامِر
.
يأتِي هذا النصّ الْ بيْنَ أيْدِينا ، غَيْضاً منْ فَيْض ، عَوّدنا فيه الشّاعِرُ
على الدّهْشَة في كلّ قصائِدِه الّتي يَنْشُرُها دونَ تَعب ، ودونَ صَخَب ... وَكأنّ
بيْنَهُ وبيْنَ السّماءِ مواعِيدَ يَخْشَى فَواتَها ، عِشْقاً جميلاً لِسَمْتِ الْكَلِمَةِ
الْعامِرَةِ بالْجمال ...
يا مْوَسّخْ لعْقَلْ رُدْ لْبالْ
لا تبْكِ بْ دْمُوعْ لْحَالْ
نْفَضْ رَاسكْ تلْقَى السّؤالْ
منْ وْرَا الدّقّة تفْتحْ لْبَابْ
هِيَ سارْحَة ، والدّنْيَا كْتابْ
ولْعَاشقْ ، منْ طِينُو تْرابْ
يَفْتَتِحُ الْمتْنُ الدّرْويشيّ مغَالِيقَهُ بِالنّداءِ الْخارِجِ عنْ معْناه
الْحَقيقي الطالِبِ إقْبالاً منَ الْمُنادى عَليْهِ ، كما وَصَفَتِ الْبلاغَةُ الْعَرَبِيّةُ
... لِيُحَمّلَهُ بُعْداً آخَرَ ، رَمْياً مُصِيباً سِهامَهُ في مَقْتل ، مُوجّهاً
إلى مُخاطَبٍ مَوْسُومٍ بالْغَفْلَة ، وَ إهْمالِ أجملِ مُكوّنٍ في الْإنْسان ... الْعقْل
... وَهُوَ نِداءٌ أكْبَرُ منْ أنْ نَخْتزِلَهُ في الدّرَنِ بالْمعْنى الْمُباشِر الّذي
تمْسَحُهُ جَرّةُ إسْفنج ... إنّهُ الْعَقْلُ الْمُعَطّلُ عنْ دَوْرِهِ في النّقاء
والْإشْعاعِ والحَرَكَة .
لِهذا يَدْعُو الشّاعِرُ الْمُخاطَبَ الْافْتِراضي ... ونَقولُ – افْتِراضِي
– لأنّ الشّاعِرَ يُرٍيدُ أنْ يُوَسّعَ دائِرَةَ التّداوُل ، منْ مُخاَبْ فِعْلِي إلى
مُخاطَبْ يعْلُو على حُدودِ المَكانِ والزّمان ... لِهذا يَدْعُوهُ إلى تَرْكِ السّكُونِيّة
وَ تَبَنّي الْحَرَكِيّة ... { ردْ لْبالْ – لا تبْكِ بْ دمُوعْ لْحَالْ } ... الْيَقَظَة
وَ الْفعْل في مُقابِلِ الْوصْفِ السّلْبِيّ ، لِأنّ الدّموعَ في خلاصَتِها وَصْفُ
سَائِلٌ مَائِيّ يَغْشَى الْبَصِيرَةَ عنِ الْفعْلِ وَ يُثَبّطُ إرادَتَها عنِ الْرّؤيَة
.
وَ بِذكاءٍ نَوْعِيّ تمْسِكُ بَوْصَلَةُ الشّاعِرِ باتّجاهِ الْقَصِيدة تَوّا
إلى نُقْطَةِ الضّوء ... السّؤال ... { نْفَضْ راسكْ تلْقَ السّؤالْ } ... والْعِبارَة
مُنْتَقاةٌ بِحِسّ الْعارِفِ الْغَارِفِ منْ مِشْكاةِ النّور . فَنحْنُ بِحاجَةٍ إلى
أنْ ننْفُضَ عَنّا غُبارَ السّكونِ والْألْفَة والْعادَة الّي تَغَوّلَتْ ، وظَنَنّاها
أسْطورَةَ الْحياة ... الشّاعِرُ هُنا يَتَبَنّى موْقِفَ خَلْخَلَة الثّوابِت في حَرَكَةٍ
نَافِضَة رافِضَة لِواقِعِ الْوسَخ والْجمودِ والهَزِيمَة قَبْلَ الْخُروج ... إنّ
لِفعْلِ { النّفْض } دلالَة قَويّة ، خاصّةً إذا تنَاوَلْناهَا منْ زاوِيَة شَعْبِية
في صُورَة منْ يُمْسِكُ بالْعَصا ويَضْرِبُ على ظَهْرِ اللّحافِ كيْ يَنْزَعَ عنْهُ
ما عَلِقَ منْ غُبار ... تأمّلُوا مَعِي الصّورَة ... وللّهِ درّكَ يا الْحَسَنْ
.
والسّؤالُ ... آلِيّةٌ يُدْرِكُ الشّاعِرُ قُوّتَها ، لأنّها تَسْتَدْعِي إجاباتٍ
خارِجَة عنِ الْمألُوف ، بِدايَةً لِوَعْيِ الذّات والْماحَول . فالسّؤالُ انْفِتاح
، والانفِتاحُ خُروج ، والْخُروجُ اكْتِشاف ، والاكْتِشافُ هوَ الْحياةُ
...
لا أزيدُ على هذا ... فحسَاسِيةُ الشّاعِرِ الحسَن
الفنيّة ، حساسيةٌ ولّادَة ، تتناسَلُ فيها الْمعاني ، ومنَ الْمعاني تُولَدُ الرّموز
، ومن الرّموزِ تنْبَثِقُ الْأبْعادُ ... وحسْبُ قَلَمِي منْ هذا الثّراء أنني ناوَشْتُ
كرٍيماً ، فَكانَ قَصِيدُهُ أكْرَم
...
نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق