الجمعة، 6 أكتوبر 2017

مقاربَة في زجلية للشاعر محمد السقاي

محمد السقاي،  شاعِرٌ
حرْفُهُ غاضِبٌ بِنَقاء
...




يُمْلِي عَلَيْكَ الْعَوْمُ في بُحُورِهِ أنْ تَكُونَ مَجاذيفُكَ ذَكِيّة ، وَ إن لمْ يَكُنْ ، خانَكَ الْجَذْفُ و التجديف ، يَضْرِبُ في الرّغْوَةِ بدَلَ أنْ يَضْرِبَ في الْماء . هكَذا أتمَثّلُ شاعِرَنا الْمُتَعَدّدَ في الْبَوْحِ ، حاضِراً مِثْلَ ماءٍ ، قَوِيّاً مثْلَ ماءٍ ... وَ مُنْسَاباً بِغَضَبٍ نَقِيّ ... مِثْلَ ماء .
أوْقفَتْنِيَ الْقَصيدَة الزّجليّةُ لِأنّها تَفيضُ تَأوّهاتٍ عَلى حالٍ لَمْ يَعُدْ فيهِ مَكانٌ للصّبْر . وكلّ آهَةٍ في هذا الْمَقامِ افْتِتاحٌ لِجُرْحٍ يَغُورُ في الذّاتِ حتّى الْألَم ، الّذي صاغَهُ الشّاعِرُ بِذكاءٍ انْسِيابِي " سَيّابِيّ " نِسْبَةٌ لِ " بدر شاكِر السّيّاب " فِي غَيْرِ تناصّ أو اقْتِباس ، إنْ هُوَ إلّا مُشْتَرَكُ الْآهَةِ الّتي خَلّدَتْ عِنْدَ كِلَيْهِما فِعْلَ الشّعْر.
خَمْسُ آهَاتٍ تُسَوّرُ أسْوارَ الْقَصِيدِ ، لِتأتِيَ الزجَلِيّةُ مُحَصّنَةً ضِدّ الْخُروجِ عنْ نَسْغِ الرّؤْيا الْفَنيّة الْوُجُودِيّة للذّاتِ وَ هْيَ تَمُورُ مَوْراً فِي أتُونِ الْعَذاباتِ فِي غَيْرِ بُكائِيّةٍ ولا نَدْبٍ ولا انْتِحاب ... خَمْسُ آهَاتٍ هِيَ صَرْخاتٌ تُتَرْجِمُ حَجْمَ الْوَجَع وَتتَحَوّلُ أصْواتاً واصِفَةً فاضِحَةً لِأبْعادِ الْجُرْحِ الْمُتَغَوّلِ في الذّات .
وَ خَمْسُ وَرْطاتٍ تَنْغَمِسُ فِيها هَذهِ الذّاتُ ، تُلَخّصُ فِينا تَارِيخَ الصّمْتِ والْخَواء وَ الْخَوْف ، مَظَاهِر لِوُجُودٍ إنْسانِيّ يَفْقِدُ يَومِيّاً إنْسانِيّتَهُ بِفِعْلِ التّواطُؤ مَعَ السّكُونِ بِصِيغَةِ الْهَزِيمَة :
الْأولى : نَكْبَة
الثّانِية : كذْبَة
الثّالِثة : كِيّة ، بِمعْنى انْكِواء
الرّابِعَة : شَرْ ڭـة ، بِمَعْنى  تمَزّق
الْخامِسَة : غُرْبَة
وَ لوْ أرادَ الْباحِثُ في تارِيخِ الْحزْنِ أنْ يَكتُبَ عنْ حالِ الذّات " الْمَحلّية أو الوَطنِيّة أو الْإقلِيميّة أو الْإنسانِيّة " لَما كَفَتْهُ مُجلّداتٌ ، لكِنّ الشّاعِرَ – بصِفَةٍ عامّة – يَمْتلِكُ ما لا يَمْتَلِكُ غَيْرُه ، منْ حَيثُ الْقُدْرَةُ اسْتِنْطاقِ الْإشَارَة لِتَولِيدِ الْمَعنى و الدّلالَة والرّمز والاِنْزِياح  و غَيْرِها ، من الْأبْعاد التّعْبِيرِيّة ... و هُنا تَكْمُنُ قُوّةُ صاحِبِنا محمد السّقّاي ، وَ هوَ يُمْسِكُ بِعُنُقِ الْقُمْقُمِ السّحْرِيّ ليُفَجّرَ يَنابِيعَهُ ماءً غاضِباً في نَقاء ... ولَكُمُ أنْ تُلاحِظوا مَعِي كَيْفَ وَصَفَ الشّاعِرُ تارِيخَ الْهَزِيمَة بِتَدَرّجٍ مَنْطِقيّ في نَسَقٍ خُماسِيّ يَنْسَجِمُ معَ نَفْسِهِ ولا يَتَناقَضُ :
فَعِندما أصابَتْنا النّكْبَةُ ، لمْ نُصَدّق
فَظَنَنّاها كذْبَة ، لأنّ الذّاتَ منْتَفِخَة
وَعِنْدما اكْتَشَفْنا بِمَرارَة أنها حَقيقَة ، انْحَرَقْنا بِلَهَبِ الْكيّة
وَعِنْدما غَارَتِ النّارُ في الدّاخِلِ ، أدْرَكْنا حجْمَ التّمَزّق - شرْ ڭـة 
وَ عِنْدما لَمْ نتمَكّنْ منْ تَجاوُزِ حجْمِ هذا الْمُرَكّبِ سَلّمْنا بِواقِعِ الْاغْتِرابِ في أوطانِنا
الله ... الله ... الله ... علَيْكَ يا محمّد
وَصَفْتَ وَ أوْجَزْتَ فَكَفَيْتَ ... وَ حَبَسْتَ لِسانِي عِنْدَ تُخُومِ هذا الْجمالِ الزّجَليّ الْماتِعِ ، أغْرِفُ منْ نَسَقِهِ الْخُماسِيّ مَغارِفَ ضَوْءٍ يَشِعّ على عَتْماتِ جُرْحٍ فِينا سَاكِنٍ إلى حين ... وَ إلى ذلِكَ الْحِين أقولُ لَكَ يا صَدِيقي : الزّجَلُ بِخيْرٍ طالَما حُرّاسُهُ منْ طِينَتِك .
...

أنظُر النّص :
تا هي غير نكبه آوه
تا gول نكبات
جات سربات
علامها اكحل من بارودو...
تا هيه غير كدبه آوه
تا gول كدبات
يمسحو اسما ب ليgات
منهم القاضي وشهودو...
تا هي غير كيه آوه
أتا gول كيات
كيها خلا وشمات
شاهده على ضلم فات حدودو...
تا هي غير شرgه آوه
تا gول شرgات
خندgت ف الدات
ومريضنا تسوس عودو...
تا هي غير غربه آوه
أتا gول غربات
ف التيه مشات

هاربه م القهر وعمودو...
...

                                           بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...