الأحد، 7 مارس 2021

قصيدة بعنوان ( أَقْصِرْ يا رَبِيعُ ) للشاعر عبداللطيف خوسي

 

قصيدة بعنوان ( أَقْصِرْ يا رَبِيعُ ) 




للشاعر عبداللطيف خوسي

 

نَيْرُوزُ أَقْبَلَ يَحتَفِـــــــــي بِربِيــــــــعهِ

وَٱلأَرضُ يُنهِكُها الأَذَى المُجتَــــــــاحُ

...

أَقْصِـرْ، فَهَذِي الأَرضُ تَنْعِي صَفوَهَا

هَتَكَ الذِّئَــــــــــــابُ رَبيعَها وأَبـاحُوا

...

قَالتْ : سُكونُ الأُفْقِ قُدَّ سِتَـــــــــارُهُ

عَصفَتْ به رِيـــــــحُ ٱلرَّدَى وَسِلاحُ

...

مَالِي ولِلفَنَنِ النَّضِيــــــــرِ ، وَطَلْعِه

وَالرَّوْحُ لِلأرْواحِ ، لَيسَ يُتــــــــاحُ

...

مَا عادَ يا زَمنَ الرَّبِيعِ يُثِيـــــــرُنِي

وَشْيُ الوُرُودِ ، وَلاَ الشَّذَا الفَــوَّاحُ

...

تَبكِي النَّسائمُ وَالسُّؤالُ بِهَمسِـــــهَا

كَيفَ القَذَى عَن أَعيُنِي ، يَنــزَاحُ؟

 

لَاثَتْ ربُوعِيَ كُلُّ أَصْنافِ الضَّنَى

وَغَدَتْ ، كَمَا لَوْ أَهلُها أَشبَـــــــاحُ

...

وَالطَّيــــرُ مِنْ بَلوَى يَضِنُّ بِشَدْوِهِ

قَدْ أَخرَستْ أَلحَــــــانَهُ ٱلأَتْــــراحُ

...

تُغتَــــــــالُ غَاباتٌ كَما لَوْ لَمْ تَكُنْ

وَتُسَـلُّ مِن قَلبِ الثَّـــرَى ٱلأَدْواحُ

...

وَٱلأَبْحُرُ الزَّرقاءُ سُمَّتْ رُوحُـــهَا

وَٱلأَنهُرُ الرَّوْحاءُ ، لَا تَرتــــــاحُ

...

يَا أَرضُ أَخْلَفَكِ الجَحُــودُ وُعودَهُ

يَغدُو الخَرابُ بِكَفهِ وَيُــــــــــراحُ

...

فَبِأَيِّ عِبْقٍ فُحْتِ يَا ريــــحَ الصَّبَا

وَغُرَابُ أَرضِكِ نَــــاعِقٌ صَدَّاحُ؟

...

وَربيعُ سَهلِكِ مُجْدِبٌ كَخرِيـــــفهِ

سَيَّان فِيه الَّليلُ والإِصْبَــــــــــاحُ

11/04/2019

أقصوصة بعنوان ( المغرب النّافع )

 


أقصوصة بعنوان

( المغرب النّافع )

...

جاءَني الصديقُ الأعجمِيُّ الْجِرْمانيُّ طالِباً منّي أنْ أتحوّل إلى دليلٍ سياحيٍّ في زيارَته للمغرب ، كيْ أرفُدَه بتجْرِبتي و خبْرَتي بالأمكنة . و كان تمثُّلهُ لهذا البلدِ السّعيد ينحصِرُ في صورَتيْن : صورةِ البوّابَة الزرقاء في جسدِ ( طنجة ) ثمّ صورةِ المؤانَسَة الحمْراء في جسد ( مراكش ) ... أخبرتُه أن المغرب أوسع من هذا الاختزال الجميل الماكر .

امتطيْنا صهوةَ ( الكاتْ كاتْ ) المُطهّمَة ، و اخْترَقْنا جسد الطريقِ نلتهِمُ محطّاتِها التِهاما ... من البيضاء إلى الحمراء إلى ورزازات إلى هسكورة إلى قلعة مـڭّونة إلى بومال دادس إلى تنغير إلى تنجداد إلى ڭـلميمة إلى أرفود ... ثمّ عَرّجْنا على الراشيدية ، و هناك اقترحتُ عليْهِ أن نزور حامات مولاي على الشريف الساخنة ، فكان يلتقط الصور المفارِقة فقط ، و التي تشِي بشيءٍ من الغرابة المُسائلة ، حتّى خرج من سرِّه و نحن نقضِمُ من الطريق ، في اتّجاه ( الرّيش ) ... فجأة كسّرَ هذا الجرماني لذّةَ سياقتِي العابرة ، و قال :

-         صديقي نور ... أرى أنّ الله غير عادل .

-         قلتُ و أنا أبتلع صدمتِي : كيف يكون الله غير عادلٍ يا طيب ؟

-         قال : منذ خرجنا من مراكش و أنا ألتفت يمينا و يسارا فلا أجد إلا الحجر يعقُبُه الحجر ، في حين أن الله حبانا في أوربا بالماء يعقبه الماء .

-         قلتُ في غير تفكير مستنجدا بالبداهة : أسألك يا صديقي عن السبب الذي جاء بك إلى المغرب ؟

-         قال : جئتُ أبحث عن الشمس .

-         قلتُ في يقين المنتصر : إذن فالله عادل .

لم يعد إلى الموضوع البتّة ، و اكتفى بدعمي بإشارة الأصبع المشجّعة .

...

نون حاء

الخميس، 4 مارس 2021

قصيدة بعنوان " مقصلاتُ الشّوْل "

 

 

على وزن الطويل


قصيدة بعنوان " مقصلاتُ الشّوْل "


...

عرفتُ الْيَنابيعَ ، احتِفـــــــــالاً بِبــارِقِ

و وجْهاً جديراً ، باحتِـــراق الــزّوارقِ

...

ألا ليْتَ شِعْراً قــابلاً وصْفَ غـــارِب

تسَلّى بِحزْنٍ دامَ دَهراً ، لِغــــــــــارِق

...

فما نحْنُ ، إلّا مبْوَلاتٌ لِعــــــــــــــابِر

جِــــــــدارٌ أصَمُّ الرّشْحِ ، ذُلّاً لِســابِقِ

...

صَمتْنا ، و كُنّا صَمْتَ خوْفٍ  مُغازِل

فَرَقْنا جَماعاتٍ ، ضحِكْنا لِســـــــارِق

...

على حِيـــن غرّاتٍ ، سَمَلْنا عُيُـــونَنا

فَلا نُبْصِرُ الضّوْءَ انْتِهاراً لِغــــــاسِق

...

شَمــالٌ ضَحُوكٌ في اشْتِهاءِ الْمَضاجِعِ

فَما كانَ غَضّاً ، كانَ قَبْضاً لِعـــــاشِق

...

وَ ما كانَ بَضَّ الْغَمْزِ وَجْنات فَــــاتِن

رَمَيْناهُ  لحْماً ، جزْرَ غَاوٍ لِفـــــــاسِق

...

رُؤوسٌ ينَاعاتٌ تًحــاكِي سِيـــــــاسَةً

فَما كانَ قَطْفاً ، كانَ جَنْيـــــــــاً لآبِق

...

فَهذِي صَبـايَانا ، شَوَيْنَ أضـــــــالِعاً

على مقْصَـلاتِ الشّوْلِ شَالَتْ لِبـاشِق

...

و هذِي خَبايَانَا ، نَثَرْنـــــــــا سُؤالَها

فَما كَانَ رَدّاً ، بَلْ بَلانَـــــــــا بِنَاعِق

...

غُرابٌ بِنا مُسْتَغْرِبٌ ، لا يَــــــرُوقُهُ

نَهِيقٌ دَرُوبٌ مِنْ أتَــــــــــانٍ نَواهِـق

...

وَرَدْنَ الْمَشارِيبَ ، انْتِحاراً مُجـانِساً

فَراشاً يُحابِي نَـــــارَ شَوْيٍ ، لِحارِق

...

فَكُنّا غُراباً جَائِعاً منْ مَنَـــــــــــاقِب

فَحتْماً تَجَلَّيْنا خَـــــــــــــواءً لِحـازِقِ

...

وَ هَذِي بَغايَانَا ، جَمَحْنَ ضَـــــوَاجِعا

لِدِي شُقْرَةٍ ، يَمْضَغْنَ لَيْلاً بِشَـــــاهِق

...

شَهَقْنَ ، فَكانَ الشّهْقُ حَـــالَ رِسَــالَة

بَلَغْنَ الْمَدى رَكْضـاً ، لِشَيْخِ الطّرائِق

...

وَ كانَ جـــزاءً ، شُكْرَ جَـــزْرٍ لِمُتْعة

ذَبُلْنَ ، فَجاوَرْنَ الْغَضــــارَ لِمَـــاحِق

...

فَكانتْ عُيُوبٌ منْ قِماطٍ ، لِورْدِنـــــا

يُقَاضِيهِ غَرْبٌ ، في مَشَانِقِ مَـــاشِق

...

وَ هَذِي رَعايَانَا ، قَضَيْنــــــــا مَآرِباً

بِتَرْكٍ ... كَذا قالتْ عِرابٌ لِطـــارِق

...

وَ ما طارِقُ الْبَحْرِ امْتِدادُ خُرافَـــــةٍ

وَ لا كَانَ فِي مَاءٍ ، خَدِيناً لِمَـــــارِق

...

وَ هَذِي وَصَـــايَانَا ، لِقَلْبٍ مُجَـازِفٍ

غُبارٌ بِسـوْحِ الْمَوْتِ ، خَيْرٌ لِســـامِق

...

نون حاء

الثلاثاء، 9 فبراير 2021

بداهات الجسد في فن الأيكيدو

 


بداهات الجسد في فن الأيكيدو



نور الدين حنيف

 ...

ليس سؤالاً سؤالٌ لا يضعنا أمام مرايا الشكّ في هذا المألوف الذي يحبس النظر عن الأمداء الممكنة في علاقتنا بذواتنا وعلاقة ذواتنا بالما حول. أقول هذا لأنني في تجربتي البسيطة في مجال فن “الأيكيدو” كنتُ أدخل الركح (tatami) مفصولا عن جسدي، وأنا أعتبره “آخرَ” يستحق كل القهر الرياضي كي يذعن لمشروعي الشخصي القاضي بتخسيس وزنه أو بترويض بدائيته، أو بتشذيب ديناميته المبنية داخل أنساق الزقاق والشارع حيث يتحكم القرين والأقران في تربيب هذا الجسد انطلاقا من ثقافة المشترك أولا ومن ثقافة المقارنة والمفاضلة ثانيا (تدخل السينما في هذا المؤثر الموسوم بالشارع حيث الرغبة في التماهي مع أبطال تاريخيين، أذكر منهم هرقل وسبارتاكوس وعنترة وغيرهم، حيث كان ستيف ريفز وفريد شوقي وغيرهما يداعبون مخيالنا بتقنيات سينمائية عالية).

 

ولقد ألفتُ جسدي قديما حتى حسبته صديقا لي ينفصل عنّي باختياراته. وقد حوّلتُ هذه الألفة يوم اعتنقتُ فن “الجيدو”، مبكرا في عقدي الثاني، ثم تبلور هذا التحول عندما اعتنقتُ فن “الأيكيدو” في عقدي الرابع، وبينهما كنت أغازل كرة القدم في بطولات الأحياء وفي بطولات القسم الوطني الثالث، وفي تفاصيل هذه المحطات كان يسكن شيطان السؤال وكان يكبر.

 

في هذا المسار، اكتشفتُ كم كانت سذاجتنا واضحةً في التعبير عن هذا الجسد، وعن رغباته في جو طغت عليه الطقوسية الفاصلة بين الذكر والأنثى… حيث كلّما تمّ إبعادنا عن عالم المرأة، كُنّا نزداد إلحاحا على تبويب فصول الجسد في اتجاه الأنثى، انطلاقا من وعينا اللاواعي بأن كل تطوّر في أي عضلة من عضلاتنا هو هدية للأنثى الساكنة فينا، أبينا أم شئنا.

 

في نضجي الآني، أرى الجسد موضوعا ملائما للتحليل، لا في تشعباته البيولوجية أو الأنثروبولوجية أو السوسيولوجية… ولكن، في فلسفته النابعة من علاقتي النوعية بأشكال الممارسة لفن الأيكيدو، وهنا يحق لي كممارس أن أخرج بقناعاتي الجسدية من شرنقات التكوين العضلي المسطّح، إلى التكوين المتسائل والمُسائل لحركية هذا الجسد النازحة من ثقافة الشرق الأسيوي، بحمولتها الفكرية الخاصة، والمختلطة بتراب مغربي عربي إسلامي.

 

تبدو مفردة الجسد أمرا بديهيا، مع العلم أن البداهة أحيانا هي مداخل شيطانية لمتاهات الأسرار وخبايا الأشياء، لأنها تترك كثيرا من الفراغات بغير أجوبة، ومنها يتعملق السؤال حتّى ولو تمّ إقباره. وقد يأتي يوم ينبثق فيه هذا السؤال ماردا لا قبل لنا بردّه. والبداهة مبطنة دائما بنقيضها: فما هو مألوف عندي مدهش عند الآخر، وما هو بديهي عندي اليوم قد يصبح مدهشا غدا لديّ في مسلسل التحولات الممكنة في إنسانيتي… وإلّا، فالحكم على جسدي بالسكونية مسألة مقبولة إذا كذّبْنا فينا ما تستبطنه البداهات من إدهاش.

 

من هنا، ضرورة تحويل النظر إلى هذه المفردة المسمّاة بالجسد، على الأقل في مجال اشتغالنا الآن، أي في مساحات ثقافة فن الأيكيدو، حتى لا نشط بالاستنتاجات بعيدا عن منطق التخريج والتحصيل. والمفاهيم هنا، وأيضا، هي مفاهيم خاضعة لشخصي لأنها مرتبطة بجسدي، وبالتالي فأي إسقاط لنتائج هذا التحليل على الذوات الأخرى ينبغي أن يحترس من التعميمات والتهويمات وإطلاق الأحكام جزافا في فراغٍ يفتقر إلى أبسط بصمات العلمية.

 

الجسد يرقص في كل فضاءات الأيكيدو. ولماذا بدأت بفكرة الرقص؟ لأنها فكرة ذات حساسية مثقلة بالحظر في ثقافتنا العربية القاضية بربط فعل الرقص بتمثلاتنا الشعبية المعجونة داخل الطابوهات التقليدية. ورقص الجسد في ركح هذا الفن يرتبط أساسا بحركات ما يسمى في أدبيات الأيكيدو بـ (tai sabaki). وهي سلسلة من الحركات المبنية بإيقاعات خاصة تمهد للممارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقا من تمهيره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك.

 

إن هذه العملية التي تتكرر في كل بدايات الحصص التدريبية هي ذاتها التي تصاحب الممارس في تطبيقاتها الافتراضية على الركح، وهي ذاتها التي تصاحبه في الملتقيات الرسمية وفي التكوينات الموسمية، وعليه أن يتقنها أمام الآخر مجسدا في المتفرجين باعتبارهم عينا مستمتعة وناقدة ومقتدية، وأمام لجان التصحيح والتقييم باعتبارهم عينا مراقبة تمتلك في نظر الممارسِ النموذجَ المثالي لهذه العملية، وهي العملية التي قد تكون حاسمة لوضعية “الايكيدوكا” وهو يتعرض للعنف في حياته اليومية. ومن ثمّة فهذه الرقصات الداخلة في بداهات التعلم تخرج من مجرد حركات للتعلم إلى سلوك يومي يخالط نسغ حياة الإنسان، ويشكل حدود تصرفه في ثقة كبيرة بأن جسده يصبح معرفة ثقافية بعد أن كان معرفة حركية فقط.

 

تكاد تتحوّل رقصة التاي سَباكي (tai sabaki) إلى طقس يتكرر في كل حصّة تدريبية، وفي كل لقاء تظاهري، محلّي أو عابر للمحلي… وفي تكراره تنتفي البداهة والرتابة بحيث تخرج هذه الحركات من مجرد إجراء تمهيري يتقن فيه الممارس فن الروغان (esquiver) إلى دينامية تخالط نسغ حياة هذا الممارس لهذا الفن، وبالتالي يصبح أمرا محالاً أن تُغَيَّبَ هذه الرقصة داخل برنامج التكوين، سواء على المستوى القريب أو البعيد في تجربة المنخرط في هذا المسلسل الحركي.

 

إن من تجليات حركية الجسد داخل منظومة الأيكيدو، أنه جسد يقوم في وجوده وفي تفاعلاته على حاسة اللمس التي تتحوّل من مجرد عملية حسيّة لإدراك الآخر وتموقعاته في سيرورة الفعل الرياضي إلى وجود مستقل يروم تدجين العنف في وجود آخر مستقل أيضا، وبالتالي يكون هذا التدجين فعلا يُمارَسُ على الذّاتِ أولاً بأوّل. ويستحيل أن نتصوّر فن الأيكيدو يتمظهر خارج الآخر الشريك على صفيح الركح (tatami) أو على صفيح الواقع. اللمس إذن معيارٌ لوجود الذاتين ولتفاعلهما باعتباره طاقة حسية في مادتها الخام تتضاعف طاقةً داخلية في غضون الممارسة وتصبح وعياً ذكيا لا آلياً بضرورة استيعاب الآخر في تحولاته المكانية، مادام الممارس يتصرف بسرعة خارقة في التعامل مع أفعال الآخر وردود أفعاله في تجدد مستمر للفعل ولرد الفعل.

 

من هنا نفهم قوة هذه الحاسة وهي تشكل فعل الجسد داخل فن الأيكيدو، وتصوغ ملاحظاته البسيطة والمركبة لجسد الآخر، في معرفة سيكولوجية بسيطة لسلوك الآخر، وفي معرفة نقدية أيضا لتمظهرات أخطائه التي تتحول إلى مؤشرات بنيوية لعلامات الجسد وهو يتشكل كائنا يحمل المعنى ونقيض المعنى، وكلاهما شفراتٌ تفضحها حاسة اللمس… يتبع

ملاحظات عابرة في فن الخط العربي

 


ملاحظات عابرة في فن الخط العربي



 نورالدين حنيف

 

 1 -  يتميّز الخط العربي بقدرته على الانسياب التشكيلي في مساحات انزياحية تمتد من شرنقات الحيّز الورقي إلى رحابة الامتدادات البعيدة في ذهنية المتلقي ، في تكوينٍ جماليِّ يمارس تموجاته المترنحة ، آناً ، في وضوح تسطيري يدغدغ عاطفة القارئ السطحي ، و آناً ، في تجلّياتٍ زئبقية تحقق نوعا من التوتّر الجميل في أنساق التلقي … من هنا عبقرية هذا الخط – دون ادّعاء تفرّده الشوفيني بهذه الخاصّية – لكنه يذهب بها بعيدا في اجتهادات نوعيّة تجعل المتلقي في وضعية المُحاوِر لإمكانيات اكتشاف الأنماط الخطيّة التي تسبح فيها كفُّ الفنان و روحُهُ معاً … و مثال ذلك قدرة بعض الحروف على الخروج من دائرتها التقليدية الموسومة بالهندسة الأكليدية إلى قابلية الانرسام العبقري الهيولاني الدائري الحلزوني المفتوح دائما ، و القادر ، إبهاراً ، على احتضان مجموعة من الحروف في تجانس غريب غرابة جمالية ذات حمولة استيطيقية دلالية ، لا غرابة فرجة فولكلورية

 

2 - إن ما يحدث من تراكم في الإنتاجات التشكيلية في مجال الخط العربي الإسلامي ، لا يعدو أن يكون احترافا يمارسه حرفيون متمكنون من آليات الخط العربي و ضوابطه و قياساته و ورقه و أقلامه و أنواعه و أضربه و هلمّ جّراً مما يدخل في علم الخط العربي و قواعده ، و الذي يحسب له ألف حساب في التراكم الإبداعي الحضاري الكوني … لكننا في هذا السياق نود الإشارة إلى إمكان النقد الباني لا في تهجم نرجسي و لا في تحامل مرضي ، و إنما في توجّه مسؤول و غيور على حِمى هذا الفن الجميل … من هنا أقول إن الاحترافية وحدها لا تكفي لنبني ثراءً و تراثا تشكيليا متميزا لا على مستوى النوع فحسب و إنما حتى على مستوى الخطاب … ما أقصده هنا هو ضرورة البحث عن تشكلات الفن الخطي العربي داخل الخطاب ، حتى يتم إخراجه من شرنقة المعنى . و الفرق بين هذا و ذاك فرق شاسع لا مشاحة فيه و لا جدال … الأول ، و أقصد ” المعنى ” تبدو فيه اللوحة الخطية جزيرة معزولة عن الجسد الكوني الباني لنسغ الإنسان العربي في خصوصية مستقلة بهوية تشييدية لا بهوية جاهزة ، كما تبدو فيه اللوحة عروسا مستكينةً إلى قدر الفرجة ، حيث المتفرج أو المشاهد يمارس نوعا من الذكورية الهجينة على كل الخلق الجميل الذي تحتضنه اللوحة ، في غياب نظر فني ناضج … و في هذا السياق تتحول اللوحة الخطية إلى بؤرة منزلقة مليئة بثقافة الاستدرار للحظات العجائبية و الغرائبية سواء تعلق الأمر بمشاهد عربي من صميم اللحمة العربية ، أو تعلق الأمر بمشاهد أجنبي يمارس على فن الخط نوعا من السادية الفنية و هو يعزل تراثا كبيرا بهذا الحجم داخل شرنقة الغرائبي المدهش في نسق الدغدغة لعاطفة عابرة لا في نسق المحاورة الثقافية … و في الثاني و أقصد ” الخطاب ” تبدو اللوحة الخطية كائنا فنيا يمارس نوعا من التميّز و الحضور المستقل و الهوياتي و المندمج في المساءلات الكونية لا من باب الاندهاش و التقليدانية و الإعجاب الدوني و الاستلاب الرخيص ، و إنما من باب المثاقفة المؤسسة على فكرة التدافع … و التدافع هنا يسقط من حسابه كل أشكال الصراع الحضاري ، القائم على فكرة الصدام كما ذهب الى ذلك ” صمويل هنتنجتون ” و تلميذه ” فرانسيس فوكوياما ” ، على اعتبار أن الصدام يلغي الآخر فيما التدافع يبقي عليه حتى تستقر الحضارة على الأصلح دون القضاء على الآخر …إن الخط العربي مسؤول جدا عن حضوره كقوة مدافعة عن التراث و الهوية العربيين و الاسلاميين في رؤية تتبنى فلسفة التغيير لا شعارات الفن البرناسي المتعالي على هموم الإنسان العربي الإسلامي …هكذا تتبدى على السطح قوة الواجب قبل قوة الحق … واجب الذود عن الهوية العربية الإسلامية خارج الإمتاع ، و خارج الاندهاش و خارج السلبية المستحضرة للآخر في مرايا التميز الصوري … لا بد من الانطلاق من رؤية استراتيجية في بناء الفن و بدون رؤية تتسع بقع الضبابية و تضيع الطريق … إن فن الخط العربي الذي اكتسح الذائقة العالمية الآن هو نفسه الخط العربي الذي يخلط بين الفنان الاحترافي القابض على آليات الرسم ، و بين الفنان الممتلك لقوة الخطاب ، و هذه القوة لن تتأتي إلا بامتلاك رؤية واضحة للذات و للوجود و للآخر و للعلاقات المفروضة حضاريا بين هذه الأقانيم الثلاثة في محاورة نديّة لا في استجابات انفعالية

 

3 -  ليسَ خطّاطاً أو فنّاناً في مجال الخط العربي من يبدع عملا فنيّاً ثم يدعونا إلى استهلاكه في سلبيةٍ استمتاعية رخيصة ، أو في استمناءٍ جمالي محدود ، تنتهي صلاحيتهما بانتهاء مسلسل الفرجة . إن الفنّان الفعلي هو من يرسِلُ إبداعه طائرا بأجنحة من ذكاء ، تدْعونا دون قصدٍ إلى قراءة بؤر الفنّ في هذا التحليق ، و تستبيح كل بكارات المخيال عندنا كي نرسم معه اللوحة في اكتمالها و في تجلّيها الجمالي الجمعي ، و تفتح أمامنا كل إمكانيات التأويل لعمله الفني .

 

العمل الفني ، و خاصةَ البصريّ منه ، هو عمل ماكر ، يخدعنا في سطحيته الأمكر … لهذا لابد أن يكون الرهان فيه هو تجسير التواصل معه عبر إمكانيات التأويل لمغاليقه و لمساربه و لاستغلاقه و لانفتاحه أيضا ، في اتجاه المساهمة في بناء رؤية تفاعلية تتسم بالدينامية عوض الستاتيكية المنخلقة في جنينية الألوان و الأصباغ التي اقترحتها ذائقة هذا المبدع .

الفن ، و من منظور حركي لا بد أن يخرج بالمُنجز الفنّي من شرنقاته الخصوصية الضيقة القابعة في ذهنية المبدع ، إلى حيوات ، تستدرج ثقافة المحاورة التي تُشغّل ذهنية المتلقي أيضا ، و تدعوه في لباقةٍ سيميائية إلى ممارسة التأويل لا كحق مشروع ، فحسب ، و لكن و أيضاً ، كواجب أنطولوجي يتحدد أساسا في الإيمان بالنقص الذي يطال كل عمل فني ، الذي لا يكتمل إلا بمعية المتلقي الذكي .

ما مسوّغُ هذا التحبير ؟ إن التأويل يأخذ مصداقيته من العمل الفني ذاته ، لأن اللوحات الفنية الآتية من سديم الخط العربي أو من سديم الرسم و التشكيل ، هي مجموعة من الرموز بخلاف النصوص المقروءة و التي تحبل بالرموز لكن بدرجة أقل ، لأن اللغة تحمل معجمها الشارح و المسهّل لعمليات التلقي ، و التي لا تستعصي إلا في عالم المتون المفعمة بالانزياح … أما لوحات الخط العربي فهي كتلة من الرموز ، و التي لا تقف عند حدود الأحرف العربية المتراصة و المؤدية للمعنى … هي أكبر من ذلك ، إنها عوالم فنية مبطّنة بكثير من الرؤى … من هنا ضرورة التأويل ، باعتباره إضاءات قويّة لكل ماهو فنّي آتٍ من لاوعي المبدع و وعيه بدرجة ثانية .

التأويل ، ليس تقليعةً يمارس فيها المحلل قدرته على التعسف على العمل الفني في تسيّبٍ لا ضابط له … التأويل منهج لقراءة الأعمال الفنية العامرة بالدلالات و الأبعاد . من هنا وجب تقدير سلطة التأويل في حدود القراءة المنتجة و المضيفة و الداعمة للفن قبل أن تكون قاضيةً عليه قابضةً على تلبّسه في أقفاص الاتهام

 

4 - يقول بعض المحسوبين على مجال النقد الفني ” إن التقارب بين رسم الحروف يقود الى تحريف بعض الكلم كالذي يحصل بين الراء والدال والحاء والميم ” … إنّ مثل هذه الخرجات  بعيدة كل البعد عن موضوعية الطرح و علميته لأسباب ، منها ، أولاً: انّ خطاب التشكيل العربي يقتضي متذوقا عربيا ملمّاً برسم الحروف العربية و بالتالي فنسق التلقي يتطلب متلقيا عارفا قادرا على التمييز بين حرف الراء و الدال و بين حرف الميم و الحاء على اعتبار أن من يعرف الأصل يسهل عليه معرفة تقلبات هذا الأصل و تموجاته و تحولاته الجمالية الانسيابية في سياقات متعددة لا تحول دون استيعاب المتذوق لنواة الحرف مهما تغيرت ملامحه ، ذاك أن معرفة الفرع هي من جنس معرفة الأصل … ثانيا : إذا كان المتلقي عاديا من البسطاء الذين لا رصيد لهم في التلقي الجمالي فإن الأمر لا يعدو أن يكون عتبة عابرة ، فقد يكفي أن يتم توجيه هذا المتلقي بإشارة بسيطة بإحالته إلى موضوع التشكيل ليستكمله ، هو ، بانسيابية فطرية لا يعوقها عائق ، مادام هذا المتلقي العادي محملاً بمشتركه الثقافي و تمثلاته الذهنية للمنطوق ، فيسهل عليه تحويله إلى مقروء طوع البنان … ثالثا : إن رسم الراء يختلف عن رسم الدال في كل الأنماط الخطية و ربما يود هؤلاء التلميح إلى الرسم الديواني الذي يمثل لديهم حساسية مغلوطة … فالراء في الديواني لا علاقة لها بالدال الديواني مهما تقاربا لأن المسألة ترتبط بتكوين الحرف لا بتفرعاته

 

5-  خارج رهان الجمال ، ماذا يمكن للفنان المتهم بالخط العربي أن يبحث عنه من رهانات ؟ إن سؤالي هذا يمكن أن نقرأه في صيغةٍ أخرى أكثر جرأة : هل يكتفي الخط العربي بالتعبير عن ذاته داخل ثنائية الإمتاع و المؤانسة ؟ فحسب ؟ و هل لنا الحق في مساءلة المتهمين به و المالئين ساحاته بإبداعاتهم الغزيرة ، لنقول لهم : كيف يمكن لكل أشكال الإبداع المتعلقة بهذا الفن أن تساهم في التغيير ؟ و سؤالي هذا سؤال آثمٌ لأنني أرفض أن ينبري لي أحد من السّدنَة الحاملين لفكرة الوصاية و يقول لي : إن فن الخط العربي يكفيه وجوده ” البرناسي ” المتعالي عن هموم الإنسان العربي و الإسلامي بشكل عام … و يكفيه أنه سليل ثقافة دينية حمتْ التراث و نافحتْ عنه … لا ننكر هذا البتّة ، و نثَمّنه أيما تثمين ، و لكن لا أحد له الحق في أن ينكر علينا حق المساءلة و حق البحث عن إمكانٍ آخر أكثر توغلا في نسغ الإنسان و هو يمارس هذا الفن سواء من قبيل الإنتاج أو من قبيل الاستهلاك أو من قبيل إعادة الإنتاج … إن هذا التراكم الحاصل في سيولة الإبداع في مجال الخط العربي تراكم جميل و جليل و قوي الحضور ، لكنه في نظريات التغيير إذا لم يتحول فيه الكمّ إلى كيف ، فإن السؤال سيكبر فينا و يتعملق جدا . و نحن في هذا السياق لا نملك القدرة على صناعة البدائل بقدر ما نملك فقط بعض القدرة على المساءلة في أفق بناء الإنسان العربي الإسلامي

 

6 - نظرا للرداءة التي بلغَ سيلُها زُباها في رسم أبنائنا للخط العربي في كراريسهم اليومية ، أصبح من الواجب التفكير في إبداع حلول لهذه الأزمة التي يبدو للبعض أنها جانبية لا تؤثر على الناشئة و على هوياتهم و امتدادات هذه الهويات … فيما الأمر إشكالي و عميق … من هنا ، يصبح التفكير في الحلول الموسمية أو الترقيعية أو المعالجات المعزولة عن السياق الجمعي الحضاري العربي الإسلامي … تفكيراً مجرّداً من صيغِهِ المسؤولة و الغيورة ، و يتحول إلى مجرد صرخة باهتة في وادٍ أبهت … إن المسألة لا تتعلق بناشئة لا تتحكم في رسم الحرف العربي ، بقدر ما تتعلق بصيرورة وجودية تنغرس يوميا في ثقافة الاستلاب الحضاري … والأمر موكول لصناع القرارات الثقافية الوازنة ، بضرورة التفكير الجاد في إطلاق مشروع عربي اسلامي كبير تحت عنوان ” خطّ عربي جميلٌ للجميع ” على غرار مشروع ” قراءة للجميع ” … مشروع تتجند له كل الطاقات المؤسسية و كذا المدنية كي ينحج باقتدار .

 

 

 

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...