ملاحظات عابرة في فن الخط العربي
نورالدين حنيف
1 - يتميّز الخط العربي بقدرته على الانسياب
التشكيلي في مساحات انزياحية تمتد من شرنقات الحيّز الورقي إلى رحابة الامتدادات
البعيدة في ذهنية المتلقي ، في تكوينٍ جماليِّ يمارس تموجاته المترنحة ، آناً ، في
وضوح تسطيري يدغدغ عاطفة القارئ السطحي ، و آناً ، في تجلّياتٍ زئبقية تحقق نوعا
من التوتّر الجميل في أنساق التلقي … من هنا عبقرية هذا الخط – دون ادّعاء تفرّده
الشوفيني بهذه الخاصّية – لكنه يذهب بها بعيدا في اجتهادات نوعيّة تجعل المتلقي في
وضعية المُحاوِر لإمكانيات اكتشاف الأنماط الخطيّة التي تسبح فيها كفُّ الفنان و
روحُهُ معاً … و مثال ذلك قدرة بعض الحروف على الخروج من دائرتها التقليدية
الموسومة بالهندسة الأكليدية إلى قابلية الانرسام العبقري الهيولاني الدائري
الحلزوني المفتوح دائما ، و القادر ، إبهاراً ، على احتضان مجموعة من الحروف في
تجانس غريب غرابة جمالية ذات حمولة استيطيقية دلالية ، لا غرابة فرجة فولكلورية …
2 - إن ما يحدث من تراكم في الإنتاجات
التشكيلية في مجال الخط العربي الإسلامي ، لا يعدو أن يكون احترافا يمارسه حرفيون
متمكنون من آليات الخط العربي و ضوابطه و قياساته و ورقه و أقلامه و أنواعه و
أضربه و هلمّ جّراً مما يدخل في علم الخط العربي و قواعده ، و الذي يحسب له ألف
حساب في التراكم الإبداعي الحضاري الكوني … لكننا في هذا السياق نود الإشارة إلى
إمكان النقد الباني لا في تهجم نرجسي و لا في تحامل مرضي ، و إنما في توجّه مسؤول
و غيور على حِمى هذا الفن الجميل … من هنا أقول إن الاحترافية وحدها لا تكفي لنبني
ثراءً و تراثا تشكيليا متميزا لا على مستوى النوع فحسب و إنما حتى على مستوى
الخطاب … ما أقصده هنا هو ضرورة البحث عن تشكلات الفن الخطي العربي داخل الخطاب ،
حتى يتم إخراجه من شرنقة المعنى . و الفرق بين هذا و ذاك فرق شاسع لا مشاحة فيه و
لا جدال … الأول ، و أقصد ” المعنى ” تبدو فيه اللوحة الخطية جزيرة معزولة عن
الجسد الكوني الباني لنسغ الإنسان العربي في خصوصية مستقلة بهوية تشييدية لا بهوية
جاهزة ، كما تبدو فيه اللوحة عروسا مستكينةً إلى قدر الفرجة ، حيث المتفرج أو المشاهد
يمارس نوعا من الذكورية الهجينة على كل الخلق الجميل الذي تحتضنه اللوحة ، في غياب
نظر فني ناضج … و في هذا السياق تتحول اللوحة الخطية إلى بؤرة منزلقة مليئة بثقافة
الاستدرار للحظات العجائبية و الغرائبية سواء تعلق الأمر بمشاهد عربي من صميم
اللحمة العربية ، أو تعلق الأمر بمشاهد أجنبي يمارس على فن الخط نوعا من السادية
الفنية و هو يعزل تراثا كبيرا بهذا الحجم داخل شرنقة الغرائبي المدهش في نسق
الدغدغة لعاطفة عابرة لا في نسق المحاورة الثقافية … و في الثاني و أقصد ” الخطاب
” تبدو اللوحة الخطية كائنا فنيا يمارس نوعا من التميّز و الحضور المستقل و
الهوياتي و المندمج في المساءلات الكونية لا من باب الاندهاش و التقليدانية و
الإعجاب الدوني و الاستلاب الرخيص ، و إنما من باب المثاقفة المؤسسة على فكرة
التدافع … و التدافع هنا يسقط من حسابه كل أشكال الصراع الحضاري ، القائم على فكرة
الصدام كما ذهب الى ذلك ” صمويل هنتنجتون ” و تلميذه ” فرانسيس فوكوياما ” ، على
اعتبار أن الصدام يلغي الآخر فيما التدافع يبقي عليه حتى تستقر الحضارة على الأصلح
دون القضاء على الآخر …إن الخط العربي مسؤول جدا عن حضوره كقوة مدافعة عن التراث و
الهوية العربيين و الاسلاميين في رؤية تتبنى فلسفة التغيير لا شعارات الفن
البرناسي المتعالي على هموم الإنسان العربي الإسلامي …هكذا تتبدى على السطح قوة
الواجب قبل قوة الحق … واجب الذود عن الهوية العربية الإسلامية خارج الإمتاع ، و
خارج الاندهاش و خارج السلبية المستحضرة للآخر في مرايا التميز الصوري … لا بد من
الانطلاق من رؤية استراتيجية في بناء الفن و بدون رؤية تتسع بقع الضبابية و تضيع
الطريق … إن فن الخط العربي الذي اكتسح الذائقة العالمية الآن هو نفسه الخط العربي
الذي يخلط بين الفنان الاحترافي القابض على آليات الرسم ، و بين الفنان الممتلك
لقوة الخطاب ، و هذه القوة لن تتأتي إلا بامتلاك رؤية واضحة للذات و للوجود و
للآخر و للعلاقات المفروضة حضاريا بين هذه الأقانيم الثلاثة في محاورة نديّة لا في
استجابات انفعالية
…
3 - ليسَ خطّاطاً أو فنّاناً في مجال الخط
العربي من يبدع عملا فنيّاً ثم يدعونا إلى استهلاكه في سلبيةٍ استمتاعية رخيصة ،
أو في استمناءٍ جمالي محدود ، تنتهي صلاحيتهما بانتهاء مسلسل الفرجة . إن الفنّان
الفعلي هو من يرسِلُ إبداعه طائرا بأجنحة من ذكاء ، تدْعونا دون قصدٍ إلى قراءة
بؤر الفنّ في هذا التحليق ، و تستبيح كل بكارات المخيال عندنا كي نرسم معه اللوحة
في اكتمالها و في تجلّيها الجمالي الجمعي ، و تفتح أمامنا كل إمكانيات التأويل
لعمله الفني
.
العمل الفني ، و خاصةَ البصريّ منه ، هو
عمل ماكر ، يخدعنا في سطحيته الأمكر … لهذا لابد أن يكون الرهان فيه هو تجسير
التواصل معه عبر إمكانيات التأويل لمغاليقه و لمساربه و لاستغلاقه و لانفتاحه أيضا
، في اتجاه المساهمة في بناء رؤية تفاعلية تتسم بالدينامية عوض الستاتيكية
المنخلقة في جنينية الألوان و الأصباغ التي اقترحتها ذائقة هذا المبدع .
الفن ، و من منظور حركي لا بد أن يخرج
بالمُنجز الفنّي من شرنقاته الخصوصية الضيقة القابعة في ذهنية المبدع ، إلى حيوات
، تستدرج ثقافة المحاورة التي تُشغّل ذهنية المتلقي أيضا ، و تدعوه في لباقةٍ
سيميائية إلى ممارسة التأويل لا كحق مشروع ، فحسب ، و لكن و أيضاً ، كواجب
أنطولوجي يتحدد أساسا في الإيمان بالنقص الذي يطال كل عمل فني ، الذي لا يكتمل إلا
بمعية المتلقي الذكي
.
ما مسوّغُ هذا التحبير ؟ إن التأويل يأخذ
مصداقيته من العمل الفني ذاته ، لأن اللوحات الفنية الآتية من سديم الخط العربي أو
من سديم الرسم و التشكيل ، هي مجموعة من الرموز بخلاف النصوص المقروءة و التي تحبل
بالرموز لكن بدرجة أقل ، لأن اللغة تحمل معجمها الشارح و المسهّل لعمليات التلقي ،
و التي لا تستعصي إلا في عالم المتون المفعمة بالانزياح … أما لوحات الخط العربي
فهي كتلة من الرموز ، و التي لا تقف عند حدود الأحرف العربية المتراصة و المؤدية
للمعنى … هي أكبر من ذلك ، إنها عوالم فنية مبطّنة بكثير من الرؤى … من هنا ضرورة
التأويل ، باعتباره إضاءات قويّة لكل ماهو فنّي آتٍ من لاوعي المبدع و وعيه بدرجة
ثانية
.
التأويل ، ليس تقليعةً يمارس فيها المحلل
قدرته على التعسف على العمل الفني في تسيّبٍ لا ضابط له … التأويل منهج لقراءة
الأعمال الفنية العامرة بالدلالات و الأبعاد . من هنا وجب تقدير سلطة التأويل في
حدود القراءة المنتجة و المضيفة و الداعمة للفن قبل أن تكون قاضيةً عليه قابضةً
على تلبّسه في أقفاص الاتهام
…
4 - يقول بعض المحسوبين على مجال النقد الفني
” إن التقارب بين رسم الحروف يقود الى تحريف بعض الكلم كالذي يحصل بين الراء
والدال والحاء والميم ” … إنّ مثل هذه الخرجات
بعيدة كل البعد عن موضوعية الطرح و علميته لأسباب ، منها ، أولاً: انّ خطاب
التشكيل العربي يقتضي متذوقا عربيا ملمّاً برسم الحروف العربية و بالتالي فنسق التلقي
يتطلب متلقيا عارفا قادرا على التمييز بين حرف الراء و الدال و بين حرف الميم و
الحاء على اعتبار أن من يعرف الأصل يسهل عليه معرفة تقلبات هذا الأصل و تموجاته و
تحولاته الجمالية الانسيابية في سياقات متعددة لا تحول دون استيعاب المتذوق لنواة
الحرف مهما تغيرت ملامحه ، ذاك أن معرفة الفرع هي من جنس معرفة الأصل … ثانيا :
إذا كان المتلقي عاديا من البسطاء الذين لا رصيد لهم في التلقي الجمالي فإن الأمر
لا يعدو أن يكون عتبة عابرة ، فقد يكفي أن يتم توجيه هذا المتلقي بإشارة بسيطة
بإحالته إلى موضوع التشكيل ليستكمله ، هو ، بانسيابية فطرية لا يعوقها عائق ،
مادام هذا المتلقي العادي محملاً بمشتركه الثقافي و تمثلاته الذهنية للمنطوق ،
فيسهل عليه تحويله إلى مقروء طوع البنان … ثالثا : إن رسم الراء يختلف عن رسم
الدال في كل الأنماط الخطية و ربما يود هؤلاء التلميح إلى الرسم الديواني الذي
يمثل لديهم حساسية مغلوطة … فالراء في الديواني لا علاقة لها بالدال الديواني مهما
تقاربا لأن المسألة ترتبط بتكوين الحرف لا بتفرعاته …
5- خارج رهان الجمال ، ماذا يمكن للفنان
المتهم بالخط العربي أن يبحث عنه من رهانات ؟ إن سؤالي هذا يمكن أن نقرأه في صيغةٍ
أخرى أكثر جرأة : هل يكتفي الخط العربي بالتعبير عن ذاته داخل ثنائية الإمتاع و
المؤانسة ؟ فحسب ؟ و هل لنا الحق في مساءلة المتهمين به و المالئين ساحاته
بإبداعاتهم الغزيرة ، لنقول لهم : كيف يمكن لكل أشكال الإبداع المتعلقة بهذا الفن
أن تساهم في التغيير ؟ و سؤالي هذا سؤال آثمٌ لأنني أرفض أن ينبري لي أحد من
السّدنَة الحاملين لفكرة الوصاية و يقول لي : إن فن الخط العربي يكفيه وجوده ”
البرناسي ” المتعالي عن هموم الإنسان العربي و الإسلامي بشكل عام … و يكفيه أنه
سليل ثقافة دينية حمتْ التراث و نافحتْ عنه … لا ننكر هذا البتّة ، و نثَمّنه أيما
تثمين ، و لكن لا أحد له الحق في أن ينكر علينا حق المساءلة و حق البحث عن إمكانٍ
آخر أكثر توغلا في نسغ الإنسان و هو يمارس هذا الفن سواء من قبيل الإنتاج أو من
قبيل الاستهلاك أو من قبيل إعادة الإنتاج … إن هذا التراكم الحاصل في سيولة الإبداع
في مجال الخط العربي تراكم جميل و جليل و قوي الحضور ، لكنه في نظريات التغيير إذا
لم يتحول فيه الكمّ إلى كيف ، فإن السؤال سيكبر فينا و يتعملق جدا . و نحن في هذا
السياق لا نملك القدرة على صناعة البدائل بقدر ما نملك فقط بعض القدرة على
المساءلة في أفق بناء الإنسان العربي الإسلامي
6 - نظرا للرداءة التي بلغَ سيلُها زُباها في
رسم أبنائنا للخط العربي في كراريسهم اليومية ، أصبح من الواجب التفكير في إبداع
حلول لهذه الأزمة التي يبدو للبعض أنها جانبية لا تؤثر على الناشئة و على هوياتهم
و امتدادات هذه الهويات … فيما الأمر إشكالي و عميق … من هنا ، يصبح التفكير في
الحلول الموسمية أو الترقيعية أو المعالجات المعزولة عن السياق الجمعي الحضاري
العربي الإسلامي … تفكيراً مجرّداً من صيغِهِ المسؤولة و الغيورة ، و يتحول إلى
مجرد صرخة باهتة في وادٍ أبهت … إن المسألة لا تتعلق بناشئة لا تتحكم في رسم الحرف
العربي ، بقدر ما تتعلق بصيرورة وجودية تنغرس يوميا في ثقافة الاستلاب الحضاري …
والأمر موكول لصناع القرارات الثقافية الوازنة ، بضرورة التفكير الجاد في إطلاق
مشروع عربي اسلامي كبير تحت عنوان ” خطّ عربي جميلٌ للجميع ” على غرار مشروع ”
قراءة للجميع ” … مشروع تتجند له كل الطاقات المؤسسية و كذا المدنية كي ينحج
باقتدار
.
…

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق