نورالدين حنيف
...
1 –
الشاهد :
ذاتَ حوارٍ ، قالت
صديقتي العلمانية : أنا حرّةٌ في جسدي
و لا أطيق أن أسجنه في طقوس دينية تُملِي عليّ شروطَ اسْتِعماله . قلتُ : هي ليست
شروطاً بالمعنى الذي يُضيِّق الخناقَ على حريّة الإنسان . إنها تعاليم ربّانية
تشذبُ في العلاقات الجسدية ما يخرج عن الفطرة و القيم و الأخلاق و المواضعات الاجتماعية .
قالت
: هذه كلّها قيود لا معنى لها . وأنا أحبّ أن أتحرك بجسدي دون قيد و أن أستعمله
كيفما شئت دون رقابة خارجية ... بل إنني أذهب إلى أجرأ من ذلك ...
قلتُ
: كيف ؟ قالتْ : حتى ابني الرضيع ، أنا
حرة في أن أمسكَ عنه جسدي بحرمانه من الرضاعة لأنه ليس حتماً عليّ أن أظل رهينة
قيدٍ زمنيٍّ يفرض عليّ أن أمدّه بالغذاء لمدّة حوليْن كامليْنِ ، حتى يترهّل صدري
و أفقد رشاقتي . قلتُ : في هذه أنتم معشر العلمانيين تذهبون مذهب التطرف و تنسون
أنه بين الأم و رضيعها عقدٌ ضمني يُلزِمها بواجب الرّضاعة قالتْ : أي عقد ؟ قلتُ : تأسّس العقد ضمنياً عندما فكّرتِ في
الإنجاب ، و قد كان حريّاً بكِ ألّا تنجبي أصلاً ... لأنّك إن تذرّعتِ بالحق في
الأمومة ، فإن هذا يستتبع آلياً الواجب في الرعاية . و هو الواجب الذي يتحول إلى
حقٍّ يُمتِّع الرضيعَ بالحضن و الرضاع و ما شابَه ... انتهى .
2 – سؤال الجسد :
فضّلتُ أن تكون هذه
الأقصوصة مدخلا لقراءة الجسد الإنساني قراءة تتساءل أكثر مما تقرّر و تفتح الإشكال
على مصراعيْه أكثر مما تُعرِّف ، حتّى لا تدّعي في تداعياتها البحثية امتلاكها
للمعرفة و لسلطة هذه المعرفة . و فضّلتُ أيضاً هذه الأقصوصة البينية على أيّ مدخل
آخر لأنها تطرح الإشكال بين تصوريْن ، واحد بمرجعية دينية و الآخر بمرجعية وضعية .
إذن هي مقولة الحرية و الجسد تطرح ذاتها هنا
بإلحاح ، في سياق حضاري لاحظَ على نفسه تغوّلَ المدّ العلماني القائل بتسييب
العلاقة بين الفرد و جسده ، في غير رقابة ميتافيزيقية بالمفهوم الفلسفي ، و في غير
رقابة عُلوية و غيبية بالمفهوم الديني . و هو السياق ذاتُه الذي لاحظتْ فيه
الحضارة الإنسانية صحوة الدين و الرجوع إلى الله و الوحي و إلى خطاب النبوة .
إن الحديث عن الجسد
و عن حريته في التصرّف هو الحديث عن البدايات الممكنة . و هي البدايات الثاويةُ في
هوية هذا الجسد ، الفارضة أكثر من سؤال :
هل
هي هوية تدل على الإنسان في فردانيته الصارخة بحيث تنتصر حدود الذات على الدوائر
الجمعية ؟ و هل هذه الهوية نازحة من عمليات عقلِ الذات لِذاتِها الفردانية
المعبّرة عن نفسها في فلسفة قائمة و مستقلّة ؟ أم هي هوية الفرد المتجاوزة لتمثيلِ
( الأنا ) الهووية المتشرنقة داخل المفهوم الفردي ... أم هي الهوية الواسعة
الدّالّة على رمزية هذه ( الأنا ) و الذّاهبة إلى التعبير عن الإنسان بمفهومه
الجمعي و غير الكامن في أنتروبولوجيا المحلّي حيث الإنسان الأوربي هو غير الإنسان
الافريقي و هما غير الإنسان الأمريكي اللاتيني و هكذا ؟ و هل هي هوية الجسد في
تمثلاته الضيّقة و البسيطة و المرتبطة بالشخصنة
أم هي هوية الكائن الأنتربولوجي الكوني المعبّر عن مفاهيم الجسد الواحد على الرغم
من اختلاف البنيات الفيزيولوجية و اللونية و العرقية ؟
3 – سؤال الجوهر :
لا تتحدد هوية
الإنسان في ملامحه الجسدية إلا في الإطار الضيّق الذي يميز هذا عن ذاك في محفل لا
يقوم على أحكام القيمة . إذ سرعان ما تتلاشى الحدود البيضاء و السمراء و السوداء
عندما تحضر الهوية الإنسانية في مفهومها الكلياني الموسوم بالغاية في التوحيد . من
هنا نفهم عميقاً قوله تعالى ( الحمدلله ربّ العالمين ) القاضي باحتواء الكون كلّه
في دوائر المحبّة الإلهية . و بالتالي فلا موجب للحديث عن العَرَضِ في ماهية
الإنسان ، إلا في العمليات الإجرائية التفكيكية و التحليلية التي تتغيّى فهم
خصوصيات الثقافات و تعبيراتها المحلية عن طبائع الناس داخل حقولٍ معيشية أكثر
حميمية و محليّة . و ما تبقّى من الصوغِ الإنساني ، هو الدفع بالكليانية إلى أقصى
حدودها لكسب جوهر الإنسان .
إن جوهر الإنسان هو
رهان الإنسانية ، و هو المرجعية القوية في تحديد الهوية و معالمها و امتداداتها
الممكنة . من هنا نسبية الطرح القائل بهوية الجسد الواحد و الفردي ، و من ثمّة
حريّة هذا الجسد الواحد و الفردي . إن المسألة مترابطة أشدّ الترابط في ذهن
العلمانية الراغبة في تبرير الحرية الجسدية و الجسدانية في أفق يتغيّى أكثر من
التكريس لقيم الحرية الفردية . إنها تبتغي من وراء ذلك فتح بوّابات الحريات على
مصاريعِها فتحا بدون قيود و بدون شروط و بدون رقابات ، و خاصّة الرقابات الدينية ،
و بالأخص الرقابة الإسلامية الشاذبَة لفعل الجسد تشذيبا قويما مبنيا على رؤية
ربّانية فريدة في تاريخ القيم .
هكذا ، نتحدّث عن
الجوهر و العرض في علاقة الإنسان بجسده ، من حيث التعبير الفعلي عن حرية الفرد في
التصرّف فيما يملك . إن هذه الملكية التي هي صميم و صمّام أمان التصرّف ، ملكية
شائكةٌ و إشكالية . فمن قالَ إن الإنسانَ مالكٌ حقيقيّ لجسده ؟ ...
دعْنا نناقش الأمر
في هدوءِ و حكمة و في رزانة ... حتّى نحولَ بيننا و بين التأويلات الاندفاعية
الفاتكة بالحوار و بأهداف الحوار . إن هذا الجسد الذي يدّعي العلماني أنه حرّ في
استعماله وفق إرادته و رغبته بحجة أنه يمتلكه هو طرحٌ يحمل الفكرة و نقيضها
الهادمَ لها . و دعنا لا نقول ما قال التصور الإسلامي بأن الله يرث الأرض و من
عليها و بالتالي حتى الأجساد يرثها . من منطلق أن العلماني الذي يحاورنا لا يأبه
بالنقول و النصوص الماتحة من مرجعيات الوحي . نقول له و في برهنة منطقية لا خلفية
غيبية فيها : هبْ أيها العلماني أنّك تملك هذا الجسد ، و تملك قرار التصرف فيه ،
إذن فامنع عنه المرض و الخلل و العِلل و الشيخوخة و الموت . إن ملكية الشيء لا تقف
عند حدود حق التصرف فيه بل تذهب بعيدا إلى حق التحكّم فيه ، و بالتالي فلا تقلْ لي
أيها المستمع لهذا الحوار ( بهتَ الذي كفر ) 1... فحتّى هذا المنطق لا نرومه ،
لأننا لا نريد تكفير أحد بقدر ما نريد التصحيح إن أمكن أو على أقلّ تقدير نريد
البيانَ ، من وجهة نظرنا التي نظنّها مبنية داخل نسق فكري واضح المعالم ، و
بمرجعية معرفية أوضح ، تقوم أساسا على منهج ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) 2
.
إنّ اختزال
العلمانية لمشهد الجسد في حرية العرَض بدل حرية الجوهر ، أو بدل حريتهما معاً في
تكامل نسقي هو لعمري الخروج بالجسد من منظور الوجود الإنساني إلى منظور الواجهة .
و حيث إن الواجهة بحكم تسميتها تبقى مجرّد تقليعة عابرة ، فإن عمليات تحليل مقولة
الجسد ستسقط آلياً في التركيز على تيمات الإثارة . و من ثمّة سيختزل التحليل ذاته
في فكرة الجسد \ الحيز ، و ستتقلّص إمكانيات قراءته في المنظور الواسع الذي يربطه
بعوالم أخرى تكون به و يكون بها ، و نقصد بذلك أقنوم الروح ، حتّى و لو دأبت
الدراسات البحوث على اعتبارها هيولى غير
قابلة للقياس و القبض و الأجرأة .
4 - مقاربة منقوصة :
إذن ، كيف نطلبُ من
منطق التحليل أن يُقارِب حرية الشيء في منقوصهِ لا في كماله أو تكامله ؟ بمعنى أن
القراءة العلمانية للجسد هي قراءة آثمة بالمفهوم النقدي و الأخلاقي . هي قراءة
تختزل الجسد في مناطق ( جمع منطِق ) غير سليمة على مستوى النظر :
الأول هو النظر
الجسماني و البدني لمفهوم الجسد ، على اعتبار أنه مجرّد كتلة ، تقبل فكرة الحيّز و
لا يُراعَى بُعدُها الروحي الممتد خارج الكتلة .
و الثاني هو النظر
القيمي الذي يختزل الحرية في الرغبة الدانية القاضية بشقّ عصا الطاعة التاريخية
للدين ، حتّى ليبدو للقارئ أن المستهدف بهذا التخريج ليس حرية الجسد و إنما نقد
الدين ، و يُفهم ذلك من أن أغلب التحاليل العلمانية تستعمل لغة نقدية مستفزة و غير
علمية ، تقوم على تصيّد الممكن من ثغرات الدين في رؤيته للجسد ، و خاصّة إذا تعلّق
الأمر بدين الإسلام .
و الثالث هو النظر
اللاثقافي الهادف إلى إخراج الجسد من ثقافته الصانعة لهويته ، إلى اللاثقافة ، و
إلى اللاجسد ... و بالتالي نكون أمام نظر لا يؤسس
لكونية الجسد و إنما يروم علمنة الجسد في إطار ثقافة أخرى هي ثقافة التبضيع
و التسليع خارج إطار القيم و مرجعياتها البانية
.
هذه الصيحات
المتلونة بألوان الحداثة لا تروم الحرية في ذاتها و لذاتها في مقارباتها لهذا
الجسد الإنساني . إنها ترغب في تعرية هذا الجسد و تحويله من حالة الثقافة إلى حالة
الطبيعة . أي من حالة الهوية الممتلكة لمقولة الأسماء التي علّمها الله آدمَ ، إلى حالة اللاهوية البدئية القاطعة من الحداثةِ
ذاتها في مفارقة عجيبة تتناقض في صميم بنياتها مع مُدخلاتِها و مخرَجاتها قبل أن
تتناقض مع الأطروحات الفكرية المُغايِرة . و هي في هذا المسار صيحاتٌ تستفيد
من سياقٍ حضاري وهمي يقول بقيم التحرر و الحرية و الحرية الشخصية . في مقابل
الترويج من قبلِ هذا السياق ذاتهِ لخطل و خطأ
الدعوات و الصيحات المقابلة ، و نقصد بها كل صيحة تراثية دينية تحمل مشروع
حداثتها في رحم عتاقتها .
4 –
خاتمة مفتوحة :
لا تكون الحياةُ في الجسد بما
هو جسدٌ متحيّزٌ في الكتلة ، و إنما تكون حياتهُ رهينةً باحتضانها لمقولة الروح
التي أشرنا سابقا إلى زئبقيتها في التحليل . إلا أن حضورها لا ينكره أحد البتّة .
و هي جوهر الوجود و سديمه الغائر في قيم هذا الوجود . إن استحضار الروح في مقامات
الجسد ليس انثيالاً لثنائية المحتوى و الوعاء فحسب ، و إنما و أساساً هو انثيالٌ
لحقيقة العلاقة بينهما ، و هي القائمة على جدل الحضور و الغياب ، أي المعنى و
اللامعنى . ففي تجاورهما يكون الجسد ثقافةً و هويةً ، و في تغييب أحد الطرفين يكون
اللاجسد . و حيث أنّ اللاجسدَ مقولةٌ عائمة فإن الغرض من هذا الصوغ الفكري
العلماني هو إطلاق الإنسان في علاقات بشرية بغير ضابط قيمي يتشيّؤ في سياقه هذا
الإنسان و يفقد إنسانيته التي بها يكون إنسانا .
...
1 - الآية 258 من سورة البقرة
2 - الآية 111 من سورة البقرة
...
الدارالبيضاء في 29
يناير 2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق