الثلاثاء، 9 فبراير 2021

الْجسدُ العِلمانيّ

 




الْجسدُ العِلمانيّ

نورالدين حنيف

...

1 – الشاهد :

ذاتَ حوارٍ ، قالت صديقتي العلمانية : أنا حرّةٌ في جسدي و لا أطيق أن أسجنه في طقوس دينية تُملِي عليّ شروطَ اسْتِعماله . قلتُ : هي ليست شروطاً بالمعنى الذي يُضيِّق الخناقَ على حريّة الإنسان . إنها تعاليم ربّانية تشذبُ في العلاقات الجسدية ما يخرج عن الفطرة و القيم و الأخلاق  و المواضعات الاجتماعية  . قالت : هذه كلّها قيود لا معنى لها . وأنا أحبّ أن أتحرك بجسدي دون قيد و أن أستعمله كيفما شئت دون رقابة خارجية ... بل إنني أذهب إلى أجرأ من ذلك  ... قلتُ : كيف ؟  قالتْ : حتى ابني الرضيع ، أنا حرة في أن أمسكَ عنه جسدي بحرمانه من الرضاعة لأنه ليس حتماً عليّ أن أظل رهينة قيدٍ زمنيٍّ يفرض عليّ أن أمدّه بالغذاء لمدّة حوليْن كامليْنِ ، حتى يترهّل صدري و أفقد رشاقتي . قلتُ : في هذه أنتم معشر العلمانيين تذهبون مذهب التطرف و تنسون أنه بين الأم و رضيعها عقدٌ ضمني يُلزِمها بواجب الرّضاعة قالتْ : أي عقد ؟   قلتُ : تأسّس العقد ضمنياً عندما فكّرتِ في الإنجاب ، و قد كان حريّاً بكِ ألّا تنجبي أصلاً ... لأنّك إن تذرّعتِ بالحق في الأمومة ، فإن هذا يستتبع آلياً الواجب في الرعاية . و هو الواجب الذي يتحول إلى حقٍّ يُمتِّع الرضيعَ بالحضن و الرضاع و ما شابَه ... انتهى  .

2 – سؤال الجسد :

فضّلتُ أن تكون هذه الأقصوصة مدخلا لقراءة الجسد الإنساني قراءة تتساءل أكثر مما تقرّر و تفتح الإشكال على مصراعيْه أكثر مما تُعرِّف ، حتّى لا تدّعي في تداعياتها البحثية امتلاكها للمعرفة و لسلطة هذه المعرفة . و فضّلتُ أيضاً هذه الأقصوصة البينية على أيّ مدخل آخر لأنها تطرح الإشكال بين تصوريْن ، واحد بمرجعية دينية و الآخر بمرجعية وضعية .

 إذن هي مقولة الحرية و الجسد تطرح ذاتها هنا بإلحاح ، في سياق حضاري لاحظَ على نفسه تغوّلَ المدّ العلماني القائل بتسييب العلاقة بين الفرد و جسده ، في غير رقابة ميتافيزيقية بالمفهوم الفلسفي ، و في غير رقابة عُلوية و غيبية بالمفهوم الديني . و هو السياق ذاتُه الذي لاحظتْ فيه الحضارة الإنسانية صحوة الدين و الرجوع إلى الله و الوحي و إلى خطاب النبوة .

إن الحديث عن الجسد و عن حريته في التصرّف هو الحديث عن البدايات الممكنة . و هي البدايات الثاويةُ في هوية هذا الجسد ، الفارضة أكثر من سؤال :

      هل هي هوية تدل على الإنسان في فردانيته الصارخة بحيث تنتصر حدود الذات على الدوائر الجمعية ؟ و هل هذه الهوية نازحة من عمليات عقلِ الذات لِذاتِها الفردانية المعبّرة عن نفسها في فلسفة قائمة و مستقلّة ؟ أم هي هوية الفرد المتجاوزة لتمثيلِ ( الأنا ) الهووية المتشرنقة داخل المفهوم الفردي ... أم هي الهوية الواسعة الدّالّة على رمزية هذه ( الأنا ) و الذّاهبة إلى التعبير عن الإنسان بمفهومه الجمعي و غير الكامن في أنتروبولوجيا المحلّي حيث الإنسان الأوربي هو غير الإنسان الافريقي و هما غير الإنسان الأمريكي اللاتيني و هكذا ؟ و هل هي هوية الجسد في تمثلاته  الضيّقة و البسيطة و المرتبطة بالشخصنة أم هي هوية الكائن الأنتربولوجي الكوني المعبّر عن مفاهيم الجسد الواحد على الرغم من اختلاف البنيات الفيزيولوجية و اللونية و العرقية ؟ 

3 – سؤال الجوهر :

لا تتحدد هوية الإنسان في ملامحه الجسدية إلا في الإطار الضيّق الذي يميز هذا عن ذاك في محفل لا يقوم على أحكام القيمة . إذ سرعان ما تتلاشى الحدود البيضاء و السمراء و السوداء عندما تحضر الهوية الإنسانية في مفهومها الكلياني الموسوم بالغاية في التوحيد . من هنا نفهم عميقاً قوله تعالى ( الحمدلله ربّ العالمين ) القاضي باحتواء الكون كلّه في دوائر المحبّة الإلهية . و بالتالي فلا موجب للحديث عن العَرَضِ في ماهية الإنسان ، إلا في العمليات الإجرائية التفكيكية و التحليلية التي تتغيّى فهم خصوصيات الثقافات و تعبيراتها المحلية عن طبائع الناس داخل حقولٍ معيشية أكثر حميمية و محليّة . و ما تبقّى من الصوغِ الإنساني ، هو الدفع بالكليانية إلى أقصى حدودها لكسب جوهر الإنسان .

إن جوهر الإنسان هو رهان الإنسانية ، و هو المرجعية القوية في تحديد الهوية و معالمها و امتداداتها الممكنة . من هنا نسبية الطرح القائل بهوية الجسد الواحد و الفردي ، و من ثمّة حريّة هذا الجسد الواحد و الفردي . إن المسألة مترابطة أشدّ الترابط في ذهن العلمانية الراغبة في تبرير الحرية الجسدية و الجسدانية في أفق يتغيّى أكثر من التكريس لقيم الحرية الفردية . إنها تبتغي من وراء ذلك فتح بوّابات الحريات على مصاريعِها فتحا بدون قيود و بدون شروط و بدون رقابات ، و خاصّة الرقابات الدينية ، و بالأخص الرقابة الإسلامية الشاذبَة لفعل الجسد تشذيبا قويما مبنيا على رؤية ربّانية فريدة في تاريخ القيم .

هكذا ، نتحدّث عن الجوهر و العرض في علاقة الإنسان بجسده ، من حيث التعبير الفعلي عن حرية الفرد في التصرّف فيما يملك . إن هذه الملكية التي هي صميم و صمّام أمان التصرّف ، ملكية شائكةٌ و إشكالية . فمن قالَ إن الإنسانَ مالكٌ حقيقيّ لجسده ؟ ...

دعْنا نناقش الأمر في هدوءِ و حكمة و في رزانة ... حتّى نحولَ بيننا و بين التأويلات الاندفاعية الفاتكة بالحوار و بأهداف الحوار . إن هذا الجسد الذي يدّعي العلماني أنه حرّ في استعماله وفق إرادته و رغبته بحجة أنه يمتلكه هو طرحٌ يحمل الفكرة و نقيضها الهادمَ لها . و دعنا لا نقول ما قال التصور الإسلامي بأن الله يرث الأرض و من عليها و بالتالي حتى الأجساد يرثها . من منطلق أن العلماني الذي يحاورنا لا يأبه بالنقول و النصوص الماتحة من مرجعيات الوحي . نقول له و في برهنة منطقية لا خلفية غيبية فيها : هبْ أيها العلماني أنّك تملك هذا الجسد ، و تملك قرار التصرف فيه ، إذن فامنع عنه المرض و الخلل و العِلل و الشيخوخة و الموت . إن ملكية الشيء لا تقف عند حدود حق التصرف فيه بل تذهب بعيدا إلى حق التحكّم فيه ، و بالتالي فلا تقلْ لي أيها المستمع لهذا الحوار ( بهتَ الذي كفر ) 1... فحتّى هذا المنطق لا نرومه ، لأننا لا نريد تكفير أحد بقدر ما نريد التصحيح إن أمكن أو على أقلّ تقدير نريد البيانَ ، من وجهة نظرنا التي نظنّها مبنية داخل نسق فكري واضح المعالم ، و بمرجعية معرفية أوضح ، تقوم أساسا على منهج ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) 2 .

إنّ اختزال العلمانية لمشهد الجسد في حرية العرَض بدل حرية الجوهر ، أو بدل حريتهما معاً في تكامل نسقي هو لعمري الخروج بالجسد من منظور الوجود الإنساني إلى منظور الواجهة . و حيث إن الواجهة بحكم تسميتها تبقى مجرّد تقليعة عابرة ، فإن عمليات تحليل مقولة الجسد ستسقط آلياً في التركيز على تيمات الإثارة . و من ثمّة سيختزل التحليل ذاته في فكرة الجسد \ الحيز ، و ستتقلّص إمكانيات قراءته في المنظور الواسع الذي يربطه بعوالم أخرى تكون به و يكون بها ، و نقصد بذلك أقنوم الروح ، حتّى و لو دأبت الدراسات  البحوث على اعتبارها هيولى غير قابلة للقياس و القبض و الأجرأة .

4 - مقاربة منقوصة :

إذن ، كيف نطلبُ من منطق التحليل أن يُقارِب حرية الشيء في منقوصهِ لا في كماله أو تكامله ؟ بمعنى أن القراءة العلمانية للجسد هي قراءة آثمة بالمفهوم النقدي و الأخلاقي . هي قراءة تختزل الجسد في مناطق ( جمع منطِق ) غير سليمة على مستوى النظر :

الأول هو النظر الجسماني و البدني لمفهوم الجسد ، على اعتبار أنه مجرّد كتلة ، تقبل فكرة الحيّز و لا يُراعَى بُعدُها الروحي الممتد خارج الكتلة .

و الثاني هو النظر القيمي الذي يختزل الحرية في الرغبة الدانية القاضية بشقّ عصا الطاعة التاريخية للدين ، حتّى ليبدو للقارئ أن المستهدف بهذا التخريج ليس حرية الجسد و إنما نقد الدين ، و يُفهم ذلك من أن أغلب التحاليل العلمانية تستعمل لغة نقدية مستفزة و غير علمية ، تقوم على تصيّد الممكن من ثغرات الدين في رؤيته للجسد ، و خاصّة إذا تعلّق الأمر بدين الإسلام .

و الثالث هو النظر اللاثقافي الهادف إلى إخراج الجسد من ثقافته الصانعة لهويته ، إلى اللاثقافة ، و إلى اللاجسد ... و بالتالي نكون أمام نظر لا يؤسس  لكونية الجسد و إنما يروم علمنة الجسد في إطار ثقافة أخرى هي ثقافة التبضيع و التسليع خارج إطار القيم و مرجعياتها البانية  .

هذه الصيحات المتلونة بألوان الحداثة لا تروم الحرية في ذاتها و لذاتها في مقارباتها لهذا الجسد الإنساني . إنها ترغب في تعرية هذا الجسد و تحويله من حالة الثقافة إلى حالة الطبيعة . أي من حالة الهوية الممتلكة لمقولة الأسماء  التي علّمها الله آدمَ ،  إلى حالة اللاهوية البدئية القاطعة من الحداثةِ ذاتها في مفارقة عجيبة تتناقض في صميم بنياتها مع مُدخلاتِها و مخرَجاتها قبل أن تتناقض مع الأطروحات الفكرية المُغايِرة .  و هي في هذا المسار صيحاتٌ تستفيد من سياقٍ حضاري وهمي يقول بقيم التحرر و الحرية و الحرية الشخصية . في مقابل الترويج من قبلِ هذا السياق ذاتهِ لخطل و خطأ  الدعوات و الصيحات المقابلة ، و نقصد بها كل صيحة تراثية دينية تحمل مشروع حداثتها في رحم عتاقتها .

4 – خاتمة مفتوحة :

      لا تكون الحياةُ في الجسد بما هو جسدٌ متحيّزٌ في الكتلة ، و إنما تكون حياتهُ رهينةً باحتضانها لمقولة الروح التي أشرنا سابقا إلى زئبقيتها في التحليل . إلا أن حضورها لا ينكره أحد البتّة . و هي جوهر الوجود و سديمه الغائر في قيم هذا الوجود . إن استحضار الروح في مقامات الجسد ليس انثيالاً لثنائية المحتوى و الوعاء فحسب ، و إنما و أساساً هو انثيالٌ لحقيقة العلاقة بينهما ، و هي القائمة على جدل الحضور و الغياب ، أي المعنى و اللامعنى . ففي تجاورهما يكون الجسد ثقافةً و هويةً ، و في تغييب أحد الطرفين يكون اللاجسد . و حيث أنّ اللاجسدَ مقولةٌ عائمة فإن الغرض من هذا الصوغ الفكري العلماني هو إطلاق الإنسان في علاقات بشرية بغير ضابط قيمي يتشيّؤ في سياقه هذا الإنسان و يفقد إنسانيته التي بها يكون إنسانا .

...

1 - الآية 258 من سورة البقرة

2 - الآية 111 من سورة البقرة

...

الدارالبيضاء في 29 يناير 2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...