الثلاثاء، 9 فبراير 2021

فن الخصوصية في رياضة الأيكيدو

 



فن الخصوصية في رياضة الأيكيدو

...
لا يمثّل فن الأيكيدو ذاته في التجارب الأولمبية و المنافسات العالمية التي تخضع في شروط وجودها لمجموعة من المعايير ، و نقصد بذلك معايير التنقيط المبنية على عمليات التحصيل سواء تعلّق الأمر بنقط التهديف ( كما هو الحال في كرة القدم و كرة السلة و المضرب و غيرها ... ) أو تعلّق الأمر بنقط الإصابة كما هو الحال في الملاكمة و الفولكونتاكت و الكاراتيه و غيرها ... ) مما يؤهّل هذه أو تلك إلى الدقة في التمييز بين الفائز و غير الفائز ... بمعنى أن رياضة الأيكيدو رياضة غير تنافسية بالمفهوم المرتبط بالمُغالَبة و بالغَلَبَة .
هذا ما يضفي على فن الأيكيدو طابع التميز ، فهو ليس رياضة قابلة للتسييج داخل خانة الوزن أو الجنس ، أي أنه لا يقبل المقولة التفيئية (catégorisation) لأن ذلك من شأنه أن يسلب هذا الفن قدرته على التكيف داخل أي مواجهة كيفما كان شكل أطرافها و كيفما كانت صفاتهم . و من ثمّة فلا وجود لرياضة الأيكيدو الخاصّة بالنساء أو بالأطفال أو بالشيوخ ... أو ما شابه ذلك ... الكلّ ينصهر في بوتقة التفاعل و الكل يراقص الكل في هذه المحافل الذكية حتى لأّنّ الكهل المتمرّس لا يمكنه أن يستصغر شأن طفل يريد أن يتفاعل معه بحكم الاختلاف الفيزيولوجي أو أي اختلاف آخر .
و فوق هذا و ذاك ، فإن فن الأيكيدو لا يحتاج إلى منصّات التتويج كي نفرز في مجموعة المتنافسين بين من فاز و من خسر ، في حفل عمومي يقابل المشهد الرياضي بالتصفيق و الصفير .
هكذا فشأن الأيكيدو مختلف جدّاً ، إذ لا وجود في أدبياته لمفهوم الخصم و لا لمفهوم الضربة أو اللكمة بقصد تحصيل التهديف المعياري القابل للقياس داخل منطق الربح و الخسارة . الأيكيدو كله ربح و فوز و انتصار ، لكن هذه المقولات لا تنصبّ و لا تتوجّه ضدّ الخصم بقدر ما تنصبّ على الحياة في كلّها و جلّها .
اللقاء الرياضي في فن الأيكيدو لقاء مبني على تبادل الخبرات ، عبر الدخول السلمي في سديم التفاعل المنسجم ، من خلال ممارسات متعددة تنضوي تحتها تقنيات الهجوم و الدفاع و الرقص و الحركة و المراوغة و الانسحاب الإيجابي و الدوران المتناغم ... قصد صناعة المتعة البانية و الهادفة و الفيلسوفة في حوار جسدي و روحي يستثمر كل الدوائر الممكنة المتخلِّقَة داخل رحمٍ خاص هو علاقة الممارس ( uki) بشريكه ( tori) ... و هي المتعة البعيدة عن الاستهلاك العابر المرتبط بلحظة الممارسة الضيقة داخل الركح ( tatami ) و إنما تتجاوز ذلك إلى استثمار الكائن و الممكن الرياضي و الثقافي حتى يتسنى للممارس و للشريك تحويل لحظة التفاعل إلى هوية رياضية لا يستقيم أمر الفصل فيها بين طرفيْها .
في رياضة الأيكيدو ليس هناك ممارِس دائم ( uki) و ليس هناك مُمَارَسٌ عليه دائم ( tori) ، إذ يتبادلان في وعيٍ رياضيٍّ نوعي الأدوارَ ، فينقلب ( الأوكي ) إلى ( توري ) و العكس أيضا صحيح ، لأن هذه الرياضة غير التنافسية مبنية أساسا على الحوار الجسدي و الروحي لتتويج اللقاء بقناعات قابلة للقياس لا في عمليات التنقيط و لكن في طقوس الإتقان لتقنيات تبادلية تعوم في التفاعل و لا تعوم في التنافس لإلغاء الآخر كما في الرياضات الأخرى التي يتحول فيها الرياضي إلى آلة بشريّة مهارِيّة ، همّها الوحيد هو إقصاء الآخر من حلبة التنافس إقصاءً لحظيا ومشروعاً لا علاقة له بصراع الهويات .
إن فكرة الإتقان لهذه الطقوس في فن الأيكيدو ليست فكرة هيولانية أو زئبقية متروكة لمزاج الممارسين و اختياراتهم العشوائية . إنها فكرة مسؤولة و تعتمد على مرجعية موغلة في التاريخ و تمتح من نقطة أولى بائنة تُخفي أصلاً غير بائن ، و يتعلق الأمر بنقطة البدء التي أسسها الشيخ الأول (Morihei Ueshiba ) و رسّخ لها تقاليدها المتواترة لحدّ الآن ، و طوّر معالمَها مريدوه الذين تحولوا بدورهم إلى شيوخ في هذا الفن انطلاقا من اكتسابهم العالِم لتعاليم هذه الرياضة في عمقيْها الفلسفي و الميداني ، و انطلاقاً أيضاً من تطبيقها في حرفيتها أولا و ثانيا في قابليتها للتعديل و التشذيب و الإضافة الممكنة بحكم تأسيسها على المرونة و اختزانها لأنوية التجديد .
من هنا حكمة الشيخ في مراقبة حركة المريد المبتدئ و تقييمها داخل صورة الحركة \ الأم . و لنضرب على ذلك مثالاً هو حركة ( شومان ) التي يسددها الممارس إلى شريكه تجاه وجهه ، أو العكس ، في منظور تبادل الأدوار ... و هنا تبدو حركة أو تسديدة ( شومان ) فعلا قابلاً للقياس انطلاقا من حساب زاوية رفع اليد و إعدادها و تصويبها بدقة ، بحيث إذا انحرفت قليلا عن محور مسارها و قبل ذلك عن محور ارتكازها ، زاغتِ الحركة و أصبح لزاما على الشيخ التدخل للتقييم و التصويب و التصحيح . و بالتالي يدخل هذا الأخير في تجربة جديدة أسميها التقويم الذاتي و هي التي تنقل الممارس من مستقبل إلى مرسِل ...
ماذا يقع في هذا المسار الذي يبدو لقارئ متسرعٍ ، مجرّد تحصيل حاصل ؟ ...
يقع أن ينطبع في ذهن المتلقي و يترسخ في ذاكرته الوجه الحقيقي لتسديدة ( شومان ) و يربح بذلك ، لا صورة ( شومان ) الحاضرة أثناء الممارسة فقط ، بل صورتها الذهنية المتوغلة في التاريخ و التي يتداعى معها في سياقات خاصة طقس الشيخ القديم بحمولته الفلسفية و هو يمارس هذه التسديدة ... و قِسْ على ذلك ، أيها القارئ ، باقي التقنيات و التفاعلات الأخرى ، مما يعطينا انطباعا شبه حقيقيّ بالأجواء التي تخيم على جماعة من الممارسين لهذه الرياضة النوعية و هم يرتفعون على صفيح الركح الواقعي لمعانقة الركح التاريخي .
هناك مشهد إيجابي في عالم الأيكيدو ، قائم ما قام هذا الفن ، و هو المتعلق بالممارس الذي يختار هذه الرياضة دون غيرها ، فهو يختارها لا ليبرز عضلاته و انتصاراته و إنجازاته التاريخية ، و لكن ليحقق ذاته في ذوات الآخرين ، أو بعضاً من هذا الأفق ، المتشظي و الغابر و المشتت داخل اليومي القاهر ، في انتظار أن يستكمل تحقيق هذه الذات الجمعية في تكاملها و تناغمها بين الأقنوم الأصغر ( ذات الممارس ) و الأقنوم الأكبر ( ذات الجماعة ) و الأقانيم الأخرى المرتبطة بسياق الأيكيدو في وعيه بذاته الفوقية كأقنوم التاريخ و الفلسفة ، و أقصد تاريخ الأيكيدو و فلسفة الأيكيدو .
و نحن في هذه القراءة لا نقصد بتحقيق الذات شروط وجودها الحضاري كشكل من أشكال الكينونة المرتبطة بالدين أو الفلسفة – مع العلم أنّ هذا مبحث لا ننكره و التقاطع معه واردٌ جدّاً – و إنما نقصد تلكم الغاية المرتبطة بعملية التحكم في آليات الجسد في علاقته بالروح التي لا ندّعي أن الممارس البسيط يدخل الركح و هو محمّل بهذه الغاية في هذا العمق و بهذا الحجم التنظيري ... إن القول في هذا ينبغي أن يُقرأ في موضوعيته التي تسيّج النظر داخل إمكان الحوار مع الجسد ( الذاتي و الغيري ) محاورة لا تهيم ، و لكنها تتفاعل حقيقةً و واقعاً و ممارسة ميدانية ... و النتائج النظرية هنا مجرّد عمليات استنباط تروم قراءة فن الأيكيدو الذي تتعامل معه كثيرٌ من الذوات من باب البداهة و الألفة و العادة . و هذه الثلاث رغم طابعها التفصيلي البسيط إلا أنها فاتكة بالممارسة التي يبتعد فيها ( الأيكيدوكا ) عن طبيعة هذا الفن و عمقه بالتالي يفقده فرادته و تميّزه .
و الجسد غايةٌ في ذاته و في غيره و ثالثا في حواره ... و رابعاً أساساً هو الجسد المتكلم عن روحه ، كلاماً يختلف من ممارس إلى آخر و قد يختفي عند البعض و يظهر عند الآخرين و لكنه حاضر إما بالقوة أو بالفعل :
- هو جسدٌ يعبّر عن الخارج ، على اعتبار أن الرياضي عندما يدخل في مسلسل التخسيس مثلاً ، فهو يدخل في شبه صراع مع هذا الجسد الذي يتحوّل إلى آخر ، و يتمثّله موضوعا غير موغوب فيه ، على الأقل في وضعيته المنتقدة ، و يتمّ تصوّره خارجاً ينبغي أن يُقهر و موضوعاً لا تعترف به الذات و لا تعرفه أحيانا .
- هو جسدٌ يعبّر عن الداخل ، الجواني ، على اعتبار أنه جزء من هذه الكينونة الواعية بحضورها المائز و المشدود دائما إلى الرغبة المحاوِرَة لفعل التحول ، و الذي يصبح عند الممارس ديدناً مسؤولاً عن إخراج الجسد من حالةِ التشيؤ إلى حالة الثقافة ... و في هذه الوضعية الجسدية يتقلّص الإحساس بغرابة الجسد الذي رسمته الحالة الأولى أعلاه حيث يتحول الخارج إلى جوانية مرغوبة ، و البرّاني إلى داخل مقبول .
لا نقصد بحالة الثقافة وجهها التراكمي العالم أو غير العالم ، و إنما نقصد صيرورة التبدل من الحالة الجسدية الذاتية ، إلى الحالة الموضوعية ، و بعبارة أوضح ، نقصد التحول من وضعية المخاصمة إلى وضعية المصالحة ، و من الطبيعة إلى الصناعة الإنسانية لفعل المحاورة المتصالح و المتسامح و المرن في قبول ظاهرة الجسد في شكلها المُرَوّض و القابل لصياغة تجانسه صياغةً يصبح فيها الممارس مالكا بعد أن كان مملوكا .
إن ملكية الجسد في فن الايكيدو لا تتحقق بقدرة الممارس على اكتساب جسد كامل الأوصاف و مفتول العضلات و متكامل البناء ، و قوي ، و متماسك و متناسق في أجزائه و في تفاصيل أجزائه ... بحث يمكِّنُ صاحبه ، سواء أكان ملاكما أم سبّاحاً أم لاعب كرة ... من فرض حضوره انطلاقا من حضور جسده كشرطٍ أساسي لفعل المغالبة و الغلبة ، إضافةً إلى مهاراته في فن تخصصه . إن ملكية الجسد في فن الأيكيدو مختلفة و عميقة و لا تمثل شرطا وحيدا في الممارسة (مثالُ العميان الذين جرّبوا فن الأيكيدو و أتقنوه ) بمعنى أن الأيكيدو ليس مُلْزِما باكتساب جسد كامل الأوصاف بقدر ما هو ملزم باكتساب حالة قصوى من التصالح مع هذا الجسد انطلاقا من فلسفة هذه الرياضة التي تعتبر الجسد في بعض محطات الممارسة ثقلا يتحوّل ضد صاحبه و بدل أن يكون قيمة مضافة يصبح نقطة ضعف ، خاصة إذا علمنا أن بعض التقنيات في هذا الفن تعتمد على قراءة جسد الشريك في ثقله و زاوية انسيابه المتدفّق بغير روية ، حيث يُقابَل اندفاع الكتلة بحركة ذكية تقوم على المراوغة ، فينقلب السحر ضد الساحر .
و كلّ قارئ للفعل الرياضي و الفني لظاهرة الأيكيدو ، يدرك أنها ظاهرة ، بخلاف فنون القتال الأخرى ، لا تتخندق في مجال المواجهة المتوّجة بالفوز ، و التي تنتهي في أهدافها القريبة إلى بناء التاريخ الشخصي لممارس هذه الرياضة القتالية . أما في رياضة الأيكيدو فالأمر يتجاوز هذا الأفق التتويجي إلى آفاق أكثر عمقا و ترتبط بغايات بعيدة تمزج تربية الجسد بتربية المعنى في باقي الطاقات الإنسانية الكامنة في الإنسان \ الممارس لهذا الفن . كل ذلك في منظومة تربوية تبحث عن حقيقة فعلية لما يسمى بالتناغم .
...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...