الثلاثاء، 9 فبراير 2021

صِناعةُ الظّل

 

 



صِناعةُ الظّل

نورالدين حنيف

...

لا يتحدد مفهوم الظل إلا في مرجعية ضوئية ، أي في وجود مصدر للضوء ، تبعا لشرطٍ هندسي يقبِضُ على المنطقة المعتمة ، ثمّ يصفُها و يُقدِّم في حدودها الفيزيقية مفهوماً للظل ، بحيث يتعذّر على الناظر أن يُفلتَ من بصرِهِ وجود الشجرة في غياب ظلها مثلا ، أو العكس ، طالَما أن الضوء في زاوية المرجع . هذا الظل الفيزيائي لا يختبئ و لا يتوارى في وجود مرجعيته ، بخلاف الإنسان ، الذي قد يختبئ وراء ظله أو قد يتماهى معه أو قد يذهب إلى أقصى من ذلك ، فيكون هو الظلَّ نفسَه ، أو يكون بلا ظل ، مجازاً يمكر بحقيقة التصوير .

تكونُ الموجوداتُ في علاقتها بعضها ببعض ، حالاتٍ مختلفةً من تبادل أدوار الظل . فمرة ، و غالباً و اطّراداً ، نكون نحن الضوء ، لا في مفهومه الإشعاعي المسلِّط قوته الفاضحة للظل ، و لكن في مفهومه المرجعي ، بحيث يكون وجودنا سببا في وجود الظل ، و غيابنا عاملا في غيابه ... من ثمّة يتحول الموجود الآخر إلى كينونة قادرة على إلغاء فعل الضوءِ و إثباته تبعاً لحجم قوّتنا في الظهور و الخفاء . و معنى ذلك أننا نحن من يصنع ثقافة الظل في مفهومها السلبي المدمّر لنسغ العلاقات الإنسانية الموسومة بالعمار الحضاري . إننا بخوفنا و تأويلنا لسلطة الآخر تأويلا يوهيمرياً  1  ، نصنع الهالة المُضخّمة لجسد الآخر أو لظلّه ، و ندفعه – مستسلمينَ لخوفنا اللامفسّر – إلى أن يكبر و يتعملق حتى يعانق ظلّه في ميلاد ثقافة مُفارِقة تُهرِّبُ المسؤولية إلى هناك حيث الظلّ قادر على امتصاص كلّ أشكال التهمَة لِيخرج من دوائر الإدانة بريئا مثل الذئب و القميص و يوسف ... مُخرِجاً معه بريئاً أيضاً ذلكم الجسد القمين بكلّ الإدانات .

نحن الضوء إذن ، لكن في خفوتٍ غير مبرّر و غير مقنِع ، و مع ذلك نحن الضوء القادر على أن يصنع مفهوم الظل في لبوسه الماسخ ، و الذي يحوّل الجسد المرئي إلى خفاءٍ لا يُلغي وجود الجسد و لا يُلغي قدرته على الممارسة و التأويل و التحكم ، بقدر ما يُحجّم من تغوّل هذه الممارسة والتأويل و التحكم . و بالمقابل ، نكون قد صنعنا من ضوئنا ظلالاً أخرى خائفة بالفطرة و منقادة ، و فرحة بهذا الخوف و بهذا الانقياد ، في تجلٍّ غريب لما يسمّى بالهوى في شقّيْهِ المتباعدين اشتقاقاً و القريبيْنِ دلالاتٍ ، و أقصد الهوى من هوى أي سقط ، و الهوى من هوى أي عشق .

إنها نظريةٌ للظلّ إن أمكن التعبير ، تنسج خيوطها العنكبوتية بمهلٍ و تؤدةٍ شديدين ، على مرأى من العيون و في تغييبٍ كلّي لها . لكنّها نظرية لا تفعل في الدرس الأكاديمي فعلها التنويري و المعرفي كي تأخذ مقعدها المناسب في مدرجات البحث العلمي الجدير بالبناء . إنها نظرية بمفهوم آخر ، تقترب من النزعة المُغْرِضة القابلة للترويج بغير اسم كأنها اللقيطة المفعمة بالإثارة و الجاذبية في غير مسؤولية ، تستثمر كيدياً ثقافةَ الحق المشاع الذي يبدو لغير ذي بصر رأياً عارياً من الإدانة فيما هو تهريبٌ خفيّ لثقافة مرفوضة عن طريق التمييع قصد شرعنتها رغم أنف البداهة الرافضة لها .

      إنها نظرية للظل ، يمجّها العقل السليم و يهواها المنطق الخفيّ الدافع إلى تركيم أرباح الظل على حساب الضوءِ \ المرجع ، و على حسابنا نحن الموجودات الجسدانية الخائفة . و نهواها نحن أيضاً من حيث إنها ظلالٌ تبشّر و تحمل في أوراقها الغد المعسول الماثل أمامنا بديلاً لقهرنا الاجتماعي اليومي الغشوم . و هو القهر الذي علّمنا أن نُواريَ سوءاتِ من يحبّون العيش خلف الأضواء و خلف أعين الناس حتّى لا يطالهم ما يطالُ القاطنين في الواجهات . لهذا تجدهم يخافون من أبسط أضوائنا أن تتكشّف عوراتهم و خاصّة إذا كان السياق قانوناً جريئاً يُصَادِر كل أوراق التوت خارج المشهد .

تذهبُ نظرية الظلّ و الظلال إلى أبعد من هذا و ذاك ، إذ لا تَني تُعلّم أبناءها البررة تعاليم الخفاء و التجلّي عبر تبنّي عقيدة الظلام . و حيثُ إن الظلامَ نفيٌ للضوءِ و إلغاءٌ له ، فإنّ المرتعَ الحقيقي و المناسب لهذه النزعة الهيولانية هو الظلامُ عينُه الذي يتبدّى مقولةً بوجهين : وجه الإعتام الخائف من أبسط شررٍ من الضوء . و وجه الإعتام الطافحِ و الكاسح بظلامه الممتد و المميَّز بالقدرة الخارقة على التكتم و التبييضِ و التمويه والمراوغَة .

هكذا ، نصبح – نحن الضوءَ – موضوع إشكالٍ لهذه الكائنات المشتغلة بليل ، و المخططة بليل . و نصبح مصدر إزعاج لدعتها و مصدرَ تهديد لأمنها . و نتحوّل بفعل إيغالها في الظلامية إلى  منهج مضادّ يقضّ مضاجعها و يُربك برامجها في حالٍ واحدة : هي حال إدراكنا مصدر قوّة ضوئنا . خارج هذا الشرط ، تبقى الهيمنة للظلام الممنهج ، و لأصحابه المُقدَّمينَ إلى الرأي العام باعتبارهم صوراً نموذجية للقيم الإيجابية .

إن الحديث عن القيم في لعبة التبنّي المشروط و التبنّي اللامشروط ، يجرّنا إلى الحديث عن أدوار الظل في خلخلة المفاهيم داخل حقل القيم . و لفهم ذلك نتساءل عن طبيعة الوجود الإنساني داخل نظرية الظل ...

يمارس الإنسان في علاقته بالظل وجوديْنِ ، وجودٌ فيزيقي يحدده الإطار الهندسي في علاقة الجسم بالضوء . و وجودٌ سياسي يمتد فيه الجسد بسيطاً يحلم بالاعتلاء ليصير مُرَكّباً يُسْلِم الزّمام للظل كي يكبر على الجسد لا في قطيعة و لكن في التحام من نوع آخر ، يبدو فيه التخلي وجها للعلاقة فيما العلاقة مبنية أساساً على الحماية . يتحول الظل إلى وجودٍ موازٍ و محصّن يحمي الجسد من الموجودات الأخرى .

و يتبدّى هذا الأمر واضحا في مثال السياسي الذي يدخل باب السياسة من أجل قشور السياسة لا من أجل السياسة ذاتِها . والقشور هنا لا ترتبط بالفضْلات المتلاشية عن فاكهة الزمان ، وإنما هي الفضُلاتُ المفضّلاتُ التي يجود بها الزمان ، و قلّ أن يجود بها ، و هي القمينة بتحويل الرعاع إلى أعيان ، و الأعيان إلى كائنات فضائية . و هنا و تحديداً هنا ، يكون الاعتلاء للمواقع أمراً محسوم الإسناد للظل . فهو وحده القادر على تحويل الموازين المادية ، من الفقر إلى الغني و من الغنى إلى الغنى الفاحش ... و هو القادر أيضاً على تحويل القناعات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين و من التديّن الشديد إلى الانفتاح الأشدّ .

من يعقِلُ الظلّ إذن ؟ و من يفكّر فيه بشكل مُراود أكثر من هذه الكائنات الرمادية التي تحبّ أن ترتع بين البياض و السواد . و هي في ديدنها هذا ، تُروّج للثقافة النكوصية القاضية بالخوف دائما ممّا خلف الظل من موجوداتٍ تشبه العفاريت ، لا في حضورها الخرافي المرتبط بطفولتنا المرتعبة من الظلام ، و لكن في حضورها السياسي القائل بقدرة هذه العفاريت على الممارسة و احتكار الممارسة و التخطيط لها بشكل يمنع الضوء من الخروج و التجلّي حتّى لا يعيق أي قبس مهما صغُر ، مشروعها الظِّلالي و الضَّلالي القابع في زوايا إراداتنا المشلولة بفعل تغوّل مثل هذه الثقافة .

تُطيل هذه الثقافة من أعمار الظل و أصحابه ، و تُعطّل مشروع النقيض الذي قد يولد في أيّ لحظة يقرر بعض الضوء أن يعقِلَ الضوءَ في ثقافة جديدةٍ ، تدرِكُ أنّ الشمس لها تاريخ و لها استشراف ، كما تُدرك أن كلّاً من التاريخ و المستقبل مقولاتٌ مفعمةٌ بالنور .

...

هوامش :

1 - تفترض اليوهيمرية نسبةً إلى يوهيميروس أن الروايات التاريخية تصبح أساطير عندما يُبالَغُ في إعادة سردها .

الدارالبيضاء في 24 يناير 2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...