صِناعةُ الظّل
نورالدين حنيف
...
لا يتحدد مفهوم
الظل إلا في مرجعية ضوئية ، أي في وجود مصدر للضوء ، تبعا لشرطٍ هندسي يقبِضُ على
المنطقة المعتمة ، ثمّ يصفُها و يُقدِّم في حدودها
الفيزيقية مفهوماً للظل ، بحيث يتعذّر على الناظر أن يُفلتَ من بصرِهِ وجود الشجرة
في غياب ظلها مثلا ، أو العكس ، طالَما أن الضوء في زاوية المرجع . هذا الظل
الفيزيائي لا يختبئ و لا يتوارى في وجود مرجعيته ، بخلاف الإنسان ، الذي قد يختبئ
وراء ظله أو قد يتماهى معه أو قد يذهب إلى أقصى من ذلك ، فيكون هو الظلَّ نفسَه ،
أو يكون بلا ظل ، مجازاً يمكر بحقيقة التصوير .
تكونُ الموجوداتُ
في علاقتها بعضها ببعض ، حالاتٍ مختلفةً من تبادل أدوار الظل . فمرة ، و غالباً و
اطّراداً ، نكون نحن الضوء ، لا في مفهومه الإشعاعي المسلِّط قوته الفاضحة للظل ،
و لكن في مفهومه المرجعي ، بحيث يكون وجودنا سببا في وجود الظل ، و غيابنا عاملا
في غيابه ... من ثمّة يتحول الموجود الآخر إلى كينونة قادرة على إلغاء فعل الضوءِ
و إثباته تبعاً لحجم قوّتنا في الظهور و الخفاء . و معنى ذلك أننا نحن من يصنع
ثقافة الظل في مفهومها السلبي المدمّر لنسغ العلاقات الإنسانية الموسومة بالعمار
الحضاري . إننا بخوفنا و تأويلنا لسلطة الآخر تأويلا يوهيمرياً 1 ،
نصنع الهالة المُضخّمة لجسد الآخر أو لظلّه ، و ندفعه – مستسلمينَ لخوفنا
اللامفسّر – إلى أن يكبر و يتعملق حتى يعانق ظلّه في ميلاد ثقافة مُفارِقة
تُهرِّبُ المسؤولية إلى هناك حيث الظلّ قادر على امتصاص كلّ أشكال التهمَة لِيخرج
من دوائر الإدانة بريئا مثل الذئب و القميص و يوسف ... مُخرِجاً معه بريئاً أيضاً
ذلكم الجسد القمين بكلّ الإدانات .
نحن الضوء إذن ،
لكن في خفوتٍ غير مبرّر و غير مقنِع ، و مع ذلك نحن الضوء القادر على أن يصنع
مفهوم الظل في لبوسه الماسخ ، و الذي يحوّل الجسد المرئي إلى خفاءٍ لا يُلغي وجود
الجسد و لا يُلغي قدرته على الممارسة و التأويل و التحكم ، بقدر ما يُحجّم من
تغوّل هذه الممارسة والتأويل و التحكم . و بالمقابل ، نكون قد صنعنا من ضوئنا
ظلالاً أخرى خائفة بالفطرة و منقادة ، و فرحة بهذا الخوف و بهذا الانقياد ، في
تجلٍّ غريب لما يسمّى بالهوى في شقّيْهِ المتباعدين اشتقاقاً و القريبيْنِ دلالاتٍ
، و أقصد الهوى من هوى أي سقط ، و الهوى من هوى أي عشق .
إنها نظريةٌ للظلّ
إن أمكن التعبير ، تنسج خيوطها العنكبوتية بمهلٍ و تؤدةٍ شديدين ، على مرأى من
العيون و في تغييبٍ كلّي لها . لكنّها نظرية لا تفعل في الدرس الأكاديمي فعلها
التنويري و المعرفي كي تأخذ مقعدها المناسب في مدرجات البحث العلمي الجدير بالبناء
. إنها نظرية بمفهوم آخر ، تقترب من النزعة المُغْرِضة القابلة للترويج بغير اسم
كأنها اللقيطة المفعمة بالإثارة و الجاذبية في غير مسؤولية ، تستثمر كيدياً ثقافةَ
الحق المشاع الذي يبدو لغير ذي بصر رأياً عارياً من الإدانة فيما هو تهريبٌ خفيّ
لثقافة مرفوضة عن طريق التمييع قصد شرعنتها رغم أنف البداهة الرافضة لها .
إنها نظرية للظل ، يمجّها العقل السليم و
يهواها المنطق الخفيّ الدافع إلى تركيم أرباح الظل على حساب الضوءِ \ المرجع ، و
على حسابنا نحن الموجودات الجسدانية الخائفة . و نهواها نحن أيضاً من حيث إنها
ظلالٌ تبشّر و تحمل في أوراقها الغد المعسول الماثل أمامنا بديلاً لقهرنا الاجتماعي
اليومي الغشوم . و هو القهر الذي علّمنا أن نُواريَ سوءاتِ من يحبّون العيش خلف
الأضواء و خلف أعين الناس حتّى لا يطالهم ما يطالُ القاطنين في الواجهات . لهذا
تجدهم يخافون من أبسط أضوائنا أن تتكشّف عوراتهم و خاصّة إذا كان السياق قانوناً
جريئاً يُصَادِر كل أوراق التوت خارج المشهد .
تذهبُ نظرية الظلّ
و الظلال إلى أبعد من هذا و ذاك ، إذ لا تَني تُعلّم أبناءها البررة تعاليم الخفاء
و التجلّي عبر تبنّي عقيدة الظلام . و حيثُ إن الظلامَ نفيٌ للضوءِ و إلغاءٌ له ،
فإنّ المرتعَ الحقيقي و المناسب لهذه النزعة الهيولانية هو الظلامُ عينُه الذي
يتبدّى مقولةً بوجهين : وجه الإعتام الخائف من أبسط شررٍ من الضوء . و وجه الإعتام
الطافحِ و الكاسح بظلامه الممتد و المميَّز بالقدرة الخارقة على التكتم و التبييضِ
و التمويه والمراوغَة .
هكذا ، نصبح – نحن
الضوءَ – موضوع إشكالٍ لهذه الكائنات المشتغلة بليل ، و المخططة بليل . و نصبح
مصدر إزعاج لدعتها و مصدرَ تهديد لأمنها . و نتحوّل بفعل إيغالها في الظلامية
إلى منهج مضادّ يقضّ مضاجعها و يُربك
برامجها في حالٍ واحدة : هي حال إدراكنا مصدر قوّة ضوئنا . خارج هذا الشرط ، تبقى
الهيمنة للظلام الممنهج ، و لأصحابه المُقدَّمينَ إلى الرأي العام باعتبارهم صوراً
نموذجية للقيم الإيجابية .
إن الحديث عن القيم
في لعبة التبنّي المشروط و التبنّي اللامشروط ، يجرّنا إلى الحديث عن أدوار الظل
في خلخلة المفاهيم داخل حقل القيم . و لفهم ذلك نتساءل عن طبيعة الوجود الإنساني
داخل نظرية الظل ...
يمارس الإنسان في
علاقته بالظل وجوديْنِ ، وجودٌ فيزيقي يحدده الإطار الهندسي في علاقة الجسم بالضوء
. و وجودٌ سياسي يمتد فيه الجسد بسيطاً يحلم بالاعتلاء ليصير مُرَكّباً يُسْلِم
الزّمام للظل كي يكبر على الجسد لا في قطيعة و لكن في التحام من نوع آخر ، يبدو
فيه التخلي وجها للعلاقة فيما العلاقة مبنية أساساً على الحماية . يتحول الظل إلى
وجودٍ موازٍ و محصّن يحمي الجسد من الموجودات الأخرى .
و يتبدّى هذا الأمر
واضحا في مثال السياسي الذي يدخل باب السياسة من أجل قشور السياسة لا من أجل السياسة
ذاتِها . والقشور هنا لا ترتبط بالفضْلات المتلاشية عن فاكهة الزمان ، وإنما هي
الفضُلاتُ المفضّلاتُ التي يجود بها الزمان ، و قلّ أن يجود بها ، و هي القمينة
بتحويل الرعاع إلى أعيان ، و الأعيان إلى كائنات فضائية . و هنا و تحديداً هنا ،
يكون الاعتلاء للمواقع أمراً محسوم الإسناد للظل . فهو وحده القادر على تحويل
الموازين المادية ، من الفقر إلى الغني و من الغنى إلى الغنى الفاحش ... و هو
القادر أيضاً على تحويل القناعات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين و من التديّن
الشديد إلى الانفتاح الأشدّ .
من يعقِلُ الظلّ
إذن ؟ و من يفكّر فيه بشكل مُراود أكثر من هذه الكائنات الرمادية التي تحبّ أن
ترتع بين البياض و السواد . و هي في ديدنها هذا ، تُروّج للثقافة النكوصية القاضية
بالخوف دائما ممّا خلف الظل من موجوداتٍ تشبه العفاريت ، لا في حضورها الخرافي
المرتبط بطفولتنا المرتعبة من الظلام ، و لكن في حضورها السياسي القائل بقدرة هذه
العفاريت على الممارسة و احتكار الممارسة و التخطيط لها بشكل يمنع الضوء من الخروج
و التجلّي حتّى لا يعيق أي قبس مهما صغُر ، مشروعها الظِّلالي و الضَّلالي القابع
في زوايا إراداتنا المشلولة بفعل تغوّل مثل هذه الثقافة .
تُطيل هذه الثقافة
من أعمار الظل و أصحابه ، و تُعطّل مشروع النقيض الذي قد يولد في أيّ لحظة يقرر
بعض الضوء أن يعقِلَ الضوءَ في ثقافة جديدةٍ ، تدرِكُ أنّ الشمس لها تاريخ و لها
استشراف ، كما تُدرك أن كلّاً من التاريخ و المستقبل مقولاتٌ مفعمةٌ بالنور .
...
هوامش :
1 - تفترض
اليوهيمرية نسبةً إلى يوهيميروس أن الروايات التاريخية تصبح أساطير عندما يُبالَغُ
في إعادة سردها .
الدارالبيضاء في 24
يناير 2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق