السياسة لا تقبل الفراغ
نورالدين حنيف
...
( صديقي
، رجاءً لا تحدثني بعد اليوم عن الشفافية في مسلسل الانتخابات السياسية ، و لا
تحدثني عن المشاركة في المشهد السياسي و لا تحدثني أساسا عن الديمقراطية و
المواطنة و ما شابه ذلك . إنها مجرد أوهام استنفذت أغراضها و فشلت في التعبير عن
تطلعات الشعوب و أحلامها )
مثل هذا الرد ، غالبا ما يستحث فينا
الرغبة في التعاطف مع قائله انطلاقا من وعينا أنه راكم كثيرا من مشاهد الفشل
السياسي ، و من ثمّة مشروعية طرحه مادام قد أصيب بالخيبات تلو الخيبات و فقدَ معها
ثقته في الساسة و السياسيين و الناس أجمعين .
و مثل هذا الرد أيضا ، قمينٌ بأن نرفضه
جذريا لأنه يكرّس حالةً انهزامية تترك فراغا في الطبيعة غالبا ما يتم ملؤه بمن
يناسب من متسولي اللعبة السياسية و متطفليها .
و مثل هذا الكلام كثير ...
و هو على صدقه و مضاضته ، كلامٌ
بمحملين : محمل جاد و آخر أكثر جدية . لكن الأمر لا يعدو أن يكون وهما بالمصداقية
لأن هذا النوع من الرد هو اللاموقف بالذات الذي ترغب مجموعات الضغط الناعم أن يصل
إليه المواطن و يتبنّاه ، لخلق حالة من الشلل العام في أوصال المجتمع ، بدءاً
بإحساس أفراده بلاجدوى المشاركة ، و مرورا بالانسحاب من المشهد السياسي و انتهاء
بالدعوة إلى هذا اللاموقف و نشره كبديل سلبي ينطوي على وهم الانتقام من صانعي هذه
الحال
.
و النتيجةُ ، أنْ تخلوَ الساحة لهذه
المجموعات الضاغطة كي تنعم براحة البال في تسييس المجتمعات وفق تصورها الخاص
المبني على نظرياتها الأخص بأهدافها و غاياتها الأكثر خصوصية .
إنّ هذا اللاموقف قد يبدو للبعض مجردَ
عبورٍ ، و نفْخٍ في الهواء ، على اعتبار أنه صيحة في واد لا تؤثر في مسلسل
الديمقراطية أو اللاديمقراطية بدعوى أن الطبخة مهيّأة مسبقا و جاهزة ... و ما هذا
الحوم حولها إلا تكملة للمسرحية الساخرة من أذقاننا . إننا ننسى أن هذا السلوك هو
مثل الحصاة المفردة و اليتيمة التي لا نلقي لها بالاً ، و نحتقر وجودها انطلاقا من
حجمها المتناهي في الصغر ... و ننسى مع هذا التخريج القول العربي الحكيم ( لا
تحْقِرَنّ من الأمر صغيرةً ، إن الجبال من الحصى )
فلنتصور إذن جبالاً من الصمت و العزوف عن
المشاركة في بناء فكرة هذا الوطن
.
الكلامُ و ما شابهه ، هو أيضا لاموقف سلبي ، لا يعبر عن
حالة مفردة معزولة طائشة في مسلسل المواقف اللامسؤولة ... إنّ وراءه أكمةً من
البناء لا يعيها هذا اللاموقف ، و ترتبط
أساساً بقبضة المجموعات الضاغطة هناك ،
حيث المجهول \ المعلوم ، و حيث تتبدّى من خلالِ ظلالِها فينا ماسِكةً بخيوط اللعبة
، تنسجها نسيجا واعيا و مدركا ، في اتجاه خلق مثل هذه المواقف ، و التكثير منها ،
و تحويلها إلى قاعدة بعد أن كانت نشازاً ، و إلى صوابٍ بعد أن كانت خطلا . إنّ هذه
المجموعات الضاغطة لا تشتغل بآلية الصدفة و إنّما تضعُ المقدمات المناسبة لحصاد
هذه النتائج الأنسب .
إنني عندما أَعْبُرُ المشهد السياسي
بهذه العقلية ، أكونُ لا أُعَبّر عن موقف مبني من وعيي بالمسألة ، و إنما أكونُ
محكوماً بردود فعلي الاندفاعية البعيدة عن العقل ، و التي درسَتْها تلكم المجموعات
الضاغطة درسا دقيقا لا تغفل فيه صغيرة و لا كبيرة لبناء إنسان عربي مسلم مسالم
مفرغ من المعنى
...
و النتيجة أنني أدخل في حالة نفسية
ترفض كل شيء في غير وعي ... ترفض من أجل الرفض فقط ، في سلبية هدّامة لا أشعر
بهدمها ، لأنني أتلذّذ بوهم انتصاري على المشهد السياسي الذي تركتُ فيه فراغاً
مُهْولاً ، حسب ظنّي الساذج . و بالتالي لا تستطيع ذاتي أن تبني موقفا و لا أن
تبرر موقفا و لا أن تذود عنه .
هذا توصيفٌ تشخيصيّ لحالٍ اجتماعيةٍ
تنتقل من المفرد إلى صيغة الجمع ، و فيها يتبدّى المواطنون كائنات يُفْعَلُ بِها التشويهُ و تُخْرَجُ من
طبيعتها البشرية و الإنسانية إلى طبيعةِ القطيع . و هو الحشد الذي يُطلق عليه
الباحثون في المجال السياسي ( الرأي العام ) . و هذا الرأي العام هو الإشكال
الموضوعي الذي يستحق أكثر من درس و بحث ، لأنه هو صلب العلاقة بين القادة
السياسيين و المواطنين المسوسين . إذ كيف لنا أن نستسيغ فكرة التخلي عن المشاركة
السياسية و نحن مادّةُ هذا الرهان و وقوده ؟ كيف لنا أن نترك قضايانا الجوهرية و
المصيرية يتحكم فيها غيرنا ؟ من هنا قوّة الطرح الإيجابي الداعي إلى المشاركة ،
لأننا إن لم نبادر ، فسيبادر غيرنا ، و إن تركنا الفراغ فسيملأه آخرون ، لا لهم في
الطحين السياسي و لا في العجين . و لهم في الطحين و العجين البشرِيَيْن ...
يصل هذا الرأي العام المشكّل من مقولات
مواطنية متفاوتة في الوعي السياسي ، إلى درجةٍ من التعقيد السياسي غير المفهوم إلا
في مجال التحليل النفسي ، من حيث إدراك حجم الخسارة السياسية و نحن نتخبّط في أتون
الجهل و الابتعاد عن الثقافة السياسية القاضية بصناعة المواطن الممتلك للأقلّ
الضروري من المعرفة السياسية المؤهِّلَة لتوطين الذات في مسلسلات السفر إلى صناديق
الاقتراع ، التي لا تعدو أن تكون سفرا إلى صناديق الحياة . و هو الأقلّ الضروري
الذي يمكّننا من الإبحار في المشهد السياسي و فكّ طلاسِمه المُموِّهة ، و بالتالي
فكّ ألغازه المركّبَة و البعيدة الرؤية .
خارِج هذا السقف الحالمِ بالمواطن
المستنير ، و الذي لا نقصد به بتاتاً ذلكم المواطن المثالي ، نكون أمام رأي عام
تُقدّمُهُ السياسةُ القائمةُ شبحاً متخيّلاً داخِل حشدٍ سمّاه ( ريتشارد نيكسون )
بالأغلبية الصامتة . و هو الحشد الذي شكّ ( بيير بورديو ) في وجوده ، و اعتبره
مجرّد خرافة اجتماعية و سياسية .
...
نون حاء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق