الثلاثاء، 9 فبراير 2021

السياسة لا تقبل الفراغ

 



السياسة لا تقبل الفراغ

نورالدين حنيف 

...

( صديقي ، رجاءً لا تحدثني بعد اليوم عن الشفافية في مسلسل الانتخابات السياسية ، و لا تحدثني عن المشاركة في المشهد السياسي و لا تحدثني أساسا عن الديمقراطية و المواطنة و ما شابه ذلك . إنها مجرد أوهام استنفذت أغراضها و فشلت في التعبير عن تطلعات الشعوب و أحلامها )

مثل هذا الرد ، غالبا ما يستحث فينا الرغبة في التعاطف مع قائله انطلاقا من وعينا أنه راكم كثيرا من مشاهد الفشل السياسي ، و من ثمّة مشروعية طرحه مادام قد أصيب بالخيبات تلو الخيبات و فقدَ معها ثقته في الساسة و السياسيين و الناس أجمعين .

و مثل هذا الرد أيضا ، قمينٌ بأن نرفضه جذريا لأنه يكرّس حالةً انهزامية تترك فراغا في الطبيعة غالبا ما يتم ملؤه بمن يناسب من متسولي اللعبة السياسية و متطفليها .

و مثل هذا الكلام كثير ...

و هو على صدقه و مضاضته ، كلامٌ بمحملين : محمل جاد و آخر أكثر جدية . لكن الأمر لا يعدو أن يكون وهما بالمصداقية لأن هذا النوع من الرد هو اللاموقف بالذات الذي ترغب مجموعات الضغط الناعم أن يصل إليه المواطن و يتبنّاه ، لخلق حالة من الشلل العام في أوصال المجتمع ، بدءاً بإحساس أفراده بلاجدوى المشاركة ، و مرورا بالانسحاب من المشهد السياسي و انتهاء بالدعوة إلى هذا اللاموقف و نشره كبديل سلبي ينطوي على وهم الانتقام من صانعي هذه الحال .

و النتيجةُ ، أنْ تخلوَ الساحة لهذه المجموعات الضاغطة كي تنعم براحة البال في تسييس المجتمعات وفق تصورها الخاص المبني على نظرياتها الأخص بأهدافها و غاياتها الأكثر خصوصية .

إنّ هذا اللاموقف قد يبدو للبعض مجردَ عبورٍ ، و نفْخٍ في الهواء ، على اعتبار أنه صيحة في واد لا تؤثر في مسلسل الديمقراطية أو اللاديمقراطية بدعوى أن الطبخة مهيّأة مسبقا و جاهزة ... و ما هذا الحوم حولها إلا تكملة للمسرحية الساخرة من أذقاننا . إننا ننسى أن هذا السلوك هو مثل الحصاة المفردة و اليتيمة التي لا نلقي لها بالاً ، و نحتقر وجودها انطلاقا من حجمها المتناهي في الصغر ... و ننسى مع هذا التخريج القول العربي الحكيم ( لا تحْقِرَنّ من الأمر صغيرةً ، إن الجبال من الحصى )

فلنتصور إذن جبالاً من الصمت و العزوف عن المشاركة في بناء فكرة هذا الوطن .

الكلامُ  و ما شابهه ، هو أيضا لاموقف سلبي ، لا يعبر عن حالة مفردة معزولة طائشة في مسلسل المواقف اللامسؤولة ... إنّ وراءه أكمةً من البناء لا يعيها هذا اللاموقف ،  و ترتبط أساساً  بقبضة المجموعات الضاغطة هناك ، حيث المجهول \ المعلوم ، و حيث تتبدّى من خلالِ ظلالِها فينا ماسِكةً بخيوط اللعبة ، تنسجها نسيجا واعيا و مدركا ، في اتجاه خلق مثل هذه المواقف ، و التكثير منها ، و تحويلها إلى قاعدة بعد أن كانت نشازاً ، و إلى صوابٍ بعد أن كانت خطلا . إنّ هذه المجموعات الضاغطة لا تشتغل بآلية الصدفة و إنّما تضعُ المقدمات المناسبة لحصاد هذه النتائج الأنسب .

إنني عندما أَعْبُرُ المشهد السياسي بهذه العقلية ، أكونُ لا أُعَبّر عن موقف مبني من وعيي بالمسألة ، و إنما أكونُ محكوماً بردود فعلي الاندفاعية البعيدة عن العقل ، و التي درسَتْها تلكم المجموعات الضاغطة درسا دقيقا لا تغفل فيه صغيرة و لا كبيرة لبناء إنسان عربي مسلم مسالم مفرغ من المعنى ...

و النتيجة أنني أدخل في حالة نفسية ترفض كل شيء في غير وعي ... ترفض من أجل الرفض فقط ، في سلبية هدّامة لا أشعر بهدمها ، لأنني أتلذّذ بوهم انتصاري على المشهد السياسي الذي تركتُ فيه فراغاً مُهْولاً ، حسب ظنّي الساذج . و بالتالي لا تستطيع ذاتي أن تبني موقفا و لا أن تبرر موقفا و لا أن تذود عنه .

هذا توصيفٌ تشخيصيّ لحالٍ اجتماعيةٍ تنتقل من المفرد إلى صيغة الجمع ، و فيها يتبدّى المواطنون  كائنات يُفْعَلُ بِها التشويهُ و تُخْرَجُ من طبيعتها البشرية و الإنسانية إلى طبيعةِ القطيع . و هو الحشد الذي يُطلق عليه الباحثون في المجال السياسي ( الرأي العام ) . و هذا الرأي العام هو الإشكال الموضوعي الذي يستحق أكثر من درس و بحث ، لأنه هو صلب العلاقة بين القادة السياسيين و المواطنين المسوسين . إذ كيف لنا أن نستسيغ فكرة التخلي عن المشاركة السياسية و نحن مادّةُ هذا الرهان و وقوده ؟ كيف لنا أن نترك قضايانا الجوهرية و المصيرية يتحكم فيها غيرنا ؟ من هنا قوّة الطرح الإيجابي الداعي إلى المشاركة ، لأننا إن لم نبادر ، فسيبادر غيرنا ، و إن تركنا الفراغ فسيملأه آخرون ، لا لهم في الطحين السياسي و لا في العجين . و لهم في الطحين و العجين البشرِيَيْن ...

يصل هذا الرأي العام المشكّل من مقولات مواطنية متفاوتة في الوعي السياسي ، إلى درجةٍ من التعقيد السياسي غير المفهوم إلا في مجال التحليل النفسي ، من حيث إدراك حجم الخسارة السياسية و نحن نتخبّط في أتون الجهل و الابتعاد عن الثقافة السياسية القاضية بصناعة المواطن الممتلك للأقلّ الضروري من المعرفة السياسية المؤهِّلَة لتوطين الذات في مسلسلات السفر إلى صناديق الاقتراع ، التي لا تعدو أن تكون سفرا إلى صناديق الحياة . و هو الأقلّ الضروري الذي يمكّننا من الإبحار في المشهد السياسي و فكّ طلاسِمه المُموِّهة ، و بالتالي فكّ ألغازه المركّبَة و البعيدة الرؤية .

خارِج هذا السقف الحالمِ بالمواطن المستنير ، و الذي لا نقصد به بتاتاً ذلكم المواطن المثالي ، نكون أمام رأي عام تُقدّمُهُ السياسةُ القائمةُ شبحاً متخيّلاً داخِل حشدٍ سمّاه ( ريتشارد نيكسون ) بالأغلبية الصامتة . و هو الحشد الذي شكّ ( بيير بورديو ) في وجوده ، و اعتبره مجرّد خرافة اجتماعية و سياسية .

...

نون حاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...