بقلم الأستاذ سعيد فرحاوي
...
الذات المتعالية
بصفتها روحا
تنتقد تعفنات البدن
الوجودي
بلغة الزجل داخل ديوان
(طويت لما) لفاطمة
المعيزي .
اذا ما تقربنا اكثر
الى النص الاول من ديوان فاطمة المعيزي الذي اختازت له من الاسماء ( طويت لما) ،
وهو عنوان الديوان وفي نفس الوقت عنوان القصيدة المفتاح ، سنجد انفسنا في حوارذاتي
عميق بين معطين متباعدين وفي نفس الوقت متلازمين متداخلين . و هما متباعدان لأنها
اختارت الماء شكلا تيماتيكيا منه ترى روحها في واقع بتشظي مثير. وهما متلازمان لان
الروح في الكتابة عندها تشكل موضوعا محوريا في بدن يرى المحتويات بعين تلتقط ما تريد
وترفض ما لا يسعف توقعات وطنها . تستهل خطابها قائلة :
كيف وصات قابلت
الدنيا
لقيتو لجلاج
مالح ثقيل بالكية
خوى كسدت حيان
مابقا تايق في
خوفي فيه
ل يمشي في
كدية كانت قطرات
معتقة هبال
كانت في ساخية بي
ختارت وكر من دموع
البال
طاح ظلو
شعاع ظلام من خوفي
علي
طويت يامايا
بمهل خريف
كيف حكم لمكتوب
مرة انغطيك ف كاس
لقهر
فص يدوب
مرة مني
تمنى عل قحط محسوب
كلشي باغي يسكي
بدلو لعطش ماخم
لعيني...
هي محتويات دلالية
تقذف الماء بصيغ تجعل منه ماء لا يشبه الماء الطبيعي العادي ، اي ان ماء الشاعرة
يتحقق في رؤيتها بصفات تثير الشك في كل ما تحتويه من قيم وتصورات ورؤى قابلة ان
يعاد فيها النظر، لنخرج الدوامات التي اسستها في عالمها من الايحاء والرمز الى
التجلي والتوضيح . هو ماء ، كما قالت ( لجلاج ) ، في نفس الوقت ( مالح ) ، وثقيل ،
مما يجعل منه ماء غير مسعف لإضفاء الحياة في تكوينه ونشأته ، لانه ماء لا كالماء
المعتاد. لكن العميق في خطابها هو ان هذا الماء ( اللجلاج ) و الثقيل والمالح يتميز بكونه ( ثقيل بالكية ) .
هكذا تخرجنا الشاعرة من المادة الى النفس او الروح ، عبر الماء ، يُفرغ ( الكسدة ) \ الجسد ، مما سيجعلنا نفهم انه يتجلى
بصفات السلب ، بشكلٍ لا يلائم اختيارات الشاعرة . لأنه تجلى بصفات متعددة ، الى
جانب ما اشرنا سابقا هو فاقد الثقة في الذات التي تراه من زاوية نظرها بكونه كما
تقول : ( طاح ظلو... )
وهي احالة على السقوط والسلب ، وفي نفس الوقت اشارة إلى الانهيار وعدم القدرة على مسايرة واقعها الوجودي الذي فيه تتخلى الشاعرة عن مكون يلازمها بطابع لا تحتمله . وهي كلها اشارات ستجعلنا نعيد النظر في دلالة العنوان ( طويت لما ) . اذا ما عدنا الى المعجم اللغوي للوقوف عند دلالة كلمة طويت ، سنجد معناها في معجم المعاني ان كلمة طويت تحيل على ان الكلمة من طوى ، وجدته طويا اي جائعا ، طوي الفرس اي هزل ، في طي النسيان هو امر لم يعد معروفا ، الطي في العروض هو حذف الرابع من ( مستفعلن ) في معجم لسان العرب ان كلمة الطي تعني نقيض النشر ، اسم منسوب الى انطواء على الذات عدم الاهتمام بالعالم الخارجي في اشارات تفيد ان طي الماء ليس جمعه او ضمه بقدر ما تحيل على جعل هذا الماء ملغيا و مرفوضا ، فتتحول الروح في حياة الماء الى هيولى جائعة تبحث عن مخلص ومنقذ .
وهي كلها اشارات مشفرة تجعلنا نبحث في متاهة الماء كوجود مادي شكل بدنا متعفنا ، كما تكلم عنه الفلاسفة حسب رؤيتنا السابقة . هي اشكالية سترجعنا الى البحث في موضوع الماء كما تصورته الفلسفة الاسلامية بصفتها الاقرب لرؤية الشاعرة التي اعادت النظر في المفهوم من زاوبة نظرها الخاصة . اذا ما عدنا الى ثنائية الروح والجسد في علاقتها بتيمة الماء كمحدد مركزي ، سنجد ان الجسد في الفكر الاسلامي له صلة بالطابع الاخلاقي ، هو شهواني غريزي ، معرض للوقوع في الخطأ والرذيلة ، مما يجعل منه جسدا اغوائيا غافلا عن القيم الثقافية بالمفهوم الروحي العميق . هنا سيصبح الجسد مصدر الاخطاء والمنزلقات ، لهذا يعتبر الميول لشهوة الجسد هو انحدار الى مرتبة الحيوان ، اساسه التعفن اما التعالي عن الغرائز سيؤهل بالارتقاء الى مرتبة الملائكة . فالماء في الرؤية الاسلامية اساس تشكل الحياة ، كما تمثل عمق تكون الروح والجسد ، سيظهر في النص القرآني كمحدد قوي في اصل الوجود . جاء في سورة هود ( وكان عرشه على الماء ) وفي الانبياء ( وجعلنا من الماء كل كائن حي) لكن اقرب صورة الى ايحاءات الشاعرة فاطمة المعيزي هي ما جاء في سورة الانبياء ( يوم يطوي السماء كطي السجل للكتب) ، نفهم من هذا التشارك في الدلالات ان الآية تحيل على انهاء الوجود من خلال طي السماء والارض ، فتنبثق القيامة او النهاية الدنيوية ، لكن مع المعيزي تتحول الصورة كضرورة ملزمة في الرؤيا ، لتصبح علاقةً بالوجود من خلال الماء كمحدد بنائي متميز بصفته صورة اساسها النفي والالغاء والرفض . فتصبح دلالة الماء في النص القرآني سامية باعتبار انه هو اساس الوجود ، وان الطي يلزم الفناء والتحول الى الحياة الاخرى . مما يجعلنا نفهم انها ارتقت برفض لوجود شهواني سلبي ، في غياب تام لمحدد مهم ملزم هو الماء ، وهي إحالة على الجنس الذكوري منه تتحقق الحياة ، وبه تتمظهر كل تجليات الوجود باعتباره مكونا رئيسيا في عملية التلاقي والتمازج ، لكنها برفضها لقيمة الماء تخرج المرأة من صبغتها الدنيوية كبدن وكجسد متعفن لتعلو بروحها الى مرتبة الخلود والقدسية ، او بشكل جد واضح تعلو بروحها الى حدود القدسية والالوهية .
إن الماء الذي طوته أو هاجرته هو ماء الرجل بصفته المكون الموضوعي الذي على أساسه يتم الخلق ، و برفضها للماء تكون قد طوت الرجل بمائه وبسيولته الذي اساسه الإنجاب و مصدر الأولاد والحياة ، وهي صرخة واضحة اهلت الشاعرة إلى ان ترتقي إلى ماء آخر في عالم الأرواح أو تبحث عن حياة أخرى في عالم السمو والتعالي . يصبح الماء الدنيوي أو الماء الإنساني ماء فاسدا متعفنا غير مقبول . فترفض الاستمرار والبقاء ، وبعدها الحياة ، لسبب بسيط هو ان الماء القابع قربها هو ماء لا يزيل عطشه فكيف يتقوى على إزالة عطشها ، فيصبح الرفض هنا متجليا بأبعاد صوفية عمقها صوفي بامتياز ، وهي إشارة قوية اسعفتها في اختيار نص الحلاج كمقدمة لديوانها باعتبار ان كل الشفرات الحاضرة في ديوان المعيزي لا تمثل مرورا بسيطا سطحيا فارغا بدون محتوى ايحائي . تحمل الشاعرة معها بعمق شعري رموزا إضافية في الوجود الصوفي مع الحلاج ومن خلال طيها لصفة الماء في علاقتها بالجنس الذكوري ، تكون قد غيرت مجاري حياتها ، لتنتقل من وجود دنيوي متعفن قيمته البدن والجسد الكاسد لتعلو إلى عالم الأرواح ، كما فعل الله عندما طوى الأرض والسماء ليوقف نبضات الوجود و فتح باب الروحانيات .
كلها إشارات شكلت مرجعيات قوية لحوارية
عميقة في رؤيا جد تأملية لقيمة الوجود من زوايا مختلفة . فإذا كان طاليس يرى أن
الماء هو أصل الوجود ، والنص القرآني جعل من الماء كل كائن حي ، فالمعيزي أوقفت
الوجدان والروح وأخرجت ذاتها اللصيقة بروح طاهرة لتسمو بنفسها إلى دنيا الصفاء
والنقاء ، تاركة الرجل ببدنه المتعفن يحترق في مهازل وجود هش خشن مريض لا يصلح
لحياة سامية . وهي خاصية تجعلنا نفهم خصائص المرأة القوية التي تنجلي بروح عالية ،
تحدد مجاري الحياة بفلسفة روحية جد ناضجة ( ترونسندونتالية ) تناقش الانطلوجيا
البشرية بتصور ابستيمي واكسيولوجي فلسفي جد متميز. في وجودها تتمظهر تجليات الحياة
في نظرة عميقة لكل المحيطات بتدفق يؤهلها ان تجعل من الشعر مرجعا لا يحتفظ بخاصية
الخيال وحده ، فتجعل من التأمل والتجرد والخروج من التجسيد إلى الجوهر معطى فكريا
ساميا بلغة الزجل . وهي خاصية قليلة جدا عند مجموعة من الزجالين المغاربة الذين لم
يتحرروا بعد من كتاباتهم السطحية .
هذه معطيات ، شكلت
تميزات خاصة وواضحة في كينونتها كذات غير عادية وكشاعرة زاهدة بالمعنى الفلسفي
السامي ، فتخلص إلى ان المتمم والفاعل قربها يظل موجودا في العالم العلوي و
المتحرر والملائكي الذي سماه افلاطون بعالم المثل او النص القرآني بالعالم الروحي .
و في شعرية المحو
في ديوان (طويت لَما) تقول الشاعرة فاطمة المعيزي :
كنت ما
كنت انا سبولة
للي عمرت كأس لقهر
امل فاض
زممت لعطي متخومة
غسلت لما من لوني
فيه
وسخني وانا شاد حق
الله
وحلفت ديك لعين
لبقات فيه
اردمها في عيني لبغ
الله
باع الما حق لتزاد
به ؛
صفا ؤكلشي يشرب من
يديه
اتخوض للي ف لخوابي
وكالو ليه
زلكك لغيس اللي ما
حنيتي فيه...
ما يهمني في هذا
الديوان هو اشكال تجلي الماء كموضوع ، منه تحدد الشاعرة موقفها من حياة تلازمها
برؤية واضحة ، تحدد منطلقاتها واسسها كذات رافضة ومنتقدة ، وفيه تخرج معان عدة
لترشقها رعدا بمواصفات جد دقيقة . تخاطب الآخر بصفات محددة (كنت ما ) والماء كما قلنا سابقا اساس الأمان وضامن الحياة
، في حين تعود الى ذاتها لتجعل منها طرفا ملازما للماء بقوة متفانية :
كنت ما ... هو
كنت انا سبولة ... لانا.
الصلة بين السبولة
والماء صورة متلازمة ،لا يمكن الحياة في غياب هذا الترابط والتقارب بينهما ، الماء
الذي طرحته موقعيا يسبق الثاني/ اسبولة ، مما يعني القيمة الوجودية لهذه الحياة في
رؤية ذاك الجنس الذي تحدتت عنه بسمات جد واضحة ... تقول :
كنت انا سبولة
اللي عمرت كاس لقهر...
فتخرج بنا الى عالم
متاهتها ، محددة شكل تصورها لوجود مضطرب (عمرت كاس لقهر) لأنه يعكس نفسية بأبعاد
نفسية واضحة ، ربما تدخلنا في دوامة النزعة الفلسفية الوجودية كما تكلم عنها
الوجوديون الكبار، سارتر مثلا الذي جعل من الآخر عمقا في جحيم حارق (الجحيم هم
الاخرون) . فالماء إحالة على ذكر مستفز،
مربك و غير صالح أن يكون شرطا من شروط
حياة تتصورها الشاعرة بكونها منطلق تعبها او عمق جحيمها كما رآه سارتر وغيره؛ فهي
سنبلة متعطشة الى ماء صالح يسقي عطشها ، يوقف نبض ألمها ، و يخرجنا من أوجاعها لتدب في استقرار مشرف ، يؤهل
الى ضمان استقرار آمن ، لكنها ستخرج بصيحتها معرية عن هذا الزيف الماكر الذي لم
يجعلها في وضع تسعاه وتحلم به . فهي سنبلة ملأ العطش تعبها قهرا تعدى الحدود ، لأنه
كأس من القهر الذي فاض طيشه ، وتسرب عطبه ، وكثرت الانكسارات ، لذلك ستجعل من
مائها مادة متصفة بوسخ خاص ، كانت تظن انه الوسيلة المؤهلة لغسل وسخه ، فيصبح هو
المادة الأوسخ والارذل ، مما جعلها تقول :
غسلت لما من لوني
فيه
وسخني وانا شاد حق
الله
وهي اشارات قوية
تعري عنها الشاعرة التي وجدت في وسخ الماء وسخا تعدى وسخها ، مما يفيد انها عندما
اعتمدت عليه كوسيلة لازالة أتعابها وألمها وجدت فيه الماء (الرجل) محتوى مدنسا رديئا لا يفيد في
مجال الإعانة وتحقيق مطامح تحلم بها المرأة المنخورة ، عندما تحتمي برجل غير مؤهل
لمسايرة ومعاشرة وقعها ، لم تجد فيه من الشروط ، ما ستجعل منه الرجل القوي المشاكس
.
ان الشاعرة فاطمة
المعيزي ، في ديوانها ( طويت لما ) تعيد
النظر في الحياة من زاوية جد مبأرة ، تحاول الاعتلاء بفلسفة رؤيتها لترتقى الى
الرؤية الفلسفية الوجودية ، خاصة مع رائدها سارتر الذي جعل من الآخر أساس التعفن
وعمق المشاكل ، او بصيغة ادق : ( الجحيم هو الآ خر) .

شكرا لكم استاذي الفاضل على هذه القراءة العميقة تحياتي
ردحذفشكرا لمتابعتكم المحفّزة ...
حذفاستوديو منتدى منشئي المحتوى العرب "عرب يوتيوبر"
ردحذفhttp://arabyoutuber.com
هل أنت منشئي محتوى عربي وتخطط لفتح قناة يوتيوب. أو يوتيوبر عربي جديد على الساحة وتنقصك المعرفة والخبرة في صناعة المحتوى و خاصة في اليوتيوب. أهلا بك أنت بالمكان الصحيح . ستجد في عرب يوتيوبر كل ما يهمك من نصائح لكيفية كتابة محتوى يوتيوب واستراتجيات لزيادة عدد المتابعين. أما على صعيد المونتاج و التقنية يقدم لك النصائح بما يناسب مستواك من برامج مونتاج متعددة. ولا يقف هنا دور الموقع فحسب. بل أنشأ استديو منتدى منشئي المحتوى العرب. و يعمل المنتدي على تحسين و تقييم القنوات الصغيرة وذلك بتقديم النصائح و الإشارة إلى مواطن قوة وضعف القناة. وجميع الأشخاص الذين يقومون بتقييم القنوات الصغيرة هم من كبار اليوتوبر. هذا المنتدى مخصص لمساعدة القنوات الصغيرة و إعطائها كل ما يلزم لتكبر وتصنع اسمها لدي الجمهور. في هذا المنتدى سيجيب على أسئلتك أشخاص ذو خبرة في مجال اليوتيوب. فهم تعبوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه. والفرصة لديك الأن للاستفادة من تجاربهم والتعلم من أخطائهم. كل ما عليك المشاركة بأسئلتك في المنتدى وسيتم الإجابة على أسئلتك. فأنت هو مستقبل الغد الذي سيكون صانع محتوى مشهور. إن لم تكن تمتلك قناة يوتيوب ولكنك تمتلك الشغف ليوتيوب فهذا يكفي. قم بعمل قناة إن لم تكن تعرف كيف تعمل قناة اترك أسئلتك وسيجب عليها أصحاب الاختصاص.و أتمنى أن تستمتع في استوديو منتدى منشئي المحتوى العرب "عرب يوتيوبر".