الجمعة، 6 أكتوبر 2017

مقاربَة تحليلية في زجلية للشاعر عبدالله الغازي


نَسقُ الدّوائِر الْمُحرّمَة
في قَصيدة " مشْتاقْ انا " للشّاعر
" عبدالله الْغازي "
...

يخْرُجُ منْ " تازَة " أيضاً موْسوماً بالْعشقِ ، ينْحتُ بِحرْف عاشِق ، لوْحاتٍ للذّات في سَفرِها الْجميل ، بحْثاً عنْ تشكّلٍ لِجسدِ قَصِيدِهِ الْيُشْبِهُ رِيماً ، يَرْكضُ في بَرارِي الزّجَلِ الْغابِرِ في ملاحاتِ الْامْتدادِ ، لا يَخْشى تعثّرا ، ولا يهابُ انْكِسارا ... لأنّهُ ريمٌ مُحمّلٌ بجرْعاتٍ قويّة منَ الْإحْساسِ الْعارِمِ الْعامِرِ بالْحريّة .

هُوَ ذاكَ الْوسيمُ حرْفُه ، الشّاعِرُ الْمُختلِفُ عنِ الشّبَه ، السيّد " عبدالله الْغازي " كما عَرَفْتُهُ منْ قَصِيدِهِ في انْتِظارِ انْقِشاعِ الْأزرَقِ عنْ سيماءِ الْعلاقات الْواقِفَة .

تَمتَدّ زجلِيّةُ " أنا مشْتاقْ " في صاحِبِنا منْ شمالِ الرّوحِ إلى جَنوبِها ، لِتمْتلِكَ عليْهِ مِساحاتِ السّؤال ، وَ تَجرِفُنا – نحْنُ الْقرّاء – في امْتِدادها إلى وهْمِ الْإجابَة ... فتَضيعُ الْأسئِلَةُ  وَ تتِيهُ الْإجاباتُ ، لأنّنا ، وَ بِكلّ سَذاجاتِ الْقِراءَاتِ الْمُمكِنَة ، اخْتزلْنا الشّوْقَ في حضْنِ امْرأة ، فَجلَسْنا فيهِ بِدَعَةٍ غِرّةٍ ، وَ غنّيْنا .

لكِنّ الشّاعرَ غنّى ، وَ تغنّى ، في غفْلةٍ مِنّا ... وَلقدْ غنّى لِدوائِرَ مُفعمَة بالْإنْسانيّة في لُغَةٍ تمْتشِقُ جَسَد الْبساطَة الْغاوِية وَ الْمُغْوِية ، وَ الّتي تُلْقي بالْمتلقّي في هذِه الدّوائِرِ في حركاتٍ زَجَلِيّةٍ ، ترْبِتُ وَ لا تُعنّف ... تمْسَحُ على الْجبِينِ وَ لا تصْخَب ... تهْمِسُ وَ لا تَصرُخ ... بإيقاعٍ صوْتيّ يمْلِكُ على الْمستمِعِ شغافَ قلْبِه ، وَهُوَ يسّمّعُ إلى تَطْرِيبِ رويّ " الرّاءِ " في تجلّياتٍ صوْتِيّة تتكرّرُ في غيْرِ رتابَة ، وَ تتواتَرُ في غيْرِ ملَل ، وتتوارَدُ في غيْرِ ضَجر ، وَ تضْرِبُ على طبْلاتِ الْوجدانِ قبلَ أنْ تُوقّعَ على طبْلاتِ الْآذان ... { النّورْ – السّورْ – نْدورْ – بْخُورْ – لقْبورْ ... } إلى آخرِ الدّفْقِ الْموسيقيّ الْآسِرِ .

منْ هذهِ الدّوائِرِ الّتي تلْتفّ حولَ أعْناقِ الْقرّاء بِحبالٍ منْ حرِير ، نذْكر على سبيلِ الْاسْتئناسِ لا على سبيلِ الْإحاطَة :
-        دائِرَةُ الْحرف : يُعلِنُ الشّاعِرُ أنّهُ سَلِيلُ حرْفٍ موْروثٍ أباً عنْ جدّ ، وَ أنّ هذا الْحرْفَ لا يقِفُ عنْدَ حُدودِ التّرْميزِ إلى الْمعْرِفَة الْمنْقُولَة عبْرَ أجيال ، وَ إنّما يتَجاوَزُ ذلكَ إلى اعْتِبارِهِ غطاءً واقِيا وَ مِظَلّة حامِية ، في تسْطِيرٍ ذكيّ لِبؤرَةِ الْانتِماء في غيْرِ شُوفينيّة ضيّقَة  ... وَ أنّ هذا الْحرفَ سبيلٌ أوْحدُ إلى مُمارَسَة عملِيّاتِ الْهدمِ وَ الْبِناء ... هدْم " السّور " الدّال على الْواقع الْموسُوم بقسْوة التّسْييج ... ثمّ بناء " النّور " الدّال على الْبديل الْمنْفتِح وَ الْمُشعّ .
-        دائِرَةُ الْغِناء : يُبشّرُ الشّاعرُ بِرؤية فنيّة في دائِرَةِ الْحرف ، وفي دائِرَة الْغناء ، يُبَشّرُ بِرؤيةٍ وجودِيّة " نسْبَة إلى الْوجود لا إلى الْوجوديّة " ... تمْتحُ مصْداقِيّتها منْ رَغْبَة موضُوعية لرَفْعِ الصّوتِ منْ بابِ الْحقّ ، فيُصبحُ الْغِناءُ معادِلاً نفْسِيّا للصّراخِ الصّادِقِ وَ الْمؤطّرِ بنُبْلِ الْمقاصِد ... إنّهُ غناءٌ لِردْعِ الظّلام ، وَ إيقاظِ الْهمم حتّى وَ هْيَ في قُبورِها ، وَ حِمايَة الْمقْهورِين ، وَ الْإجابَة عنْ همومِهم وَ ... وَ ...
-        دائِرَةُ الْأنَا : في تَلاوِينِ الدّوائِرِ السّابِقَة ، تأتي الذّاتُ لِتتويجِ اللّحْظَة ، في انْبِثاقٍ جلِيلٍ يُفْصِحُ عنِ انْخِراطِ الذّات في مشْروعِ التّغْيير ، منْ مُنطلَقِ التّضْحِيّة لا الْانْتِكاس { منْ عْروقِي ، نْسطّرْ سْطُورْ } وَ الْجهْرِ لا التّكتّم { نْغنّي بْ لجْهَرْ } وَ الْكشْفِ عنِ الْأسْباب في اتّجاهِ ثقافَةِ الْمساءَلَة { شْكونْ سْبابُو } وَ ثقافَة الْجزاء { فْ لاخْرة يلْقى جْوابُو } ... في ثنائِيّةٍ تتّسِمُ بالْواقِعِيّة ولا ترْكنُ إلى الصّبْرِ الْانْهِزاميّ .

هذا هوَ الْفاضِلُ " عبدالله الْغازي " منْظوراً إليْهِ منْ منْظورِ الْعشْقِ الْمفعَم بلغَةِ الْاشْتياق لِدوائِرَ مُحرّمَة ، يخْتَرِمُها لِيعْلِنَ عشْقَهُ الْأبدي للخيرِ وَ الْجمالِ في غيْرِ خوْف وَ لا مُوارَبَة  ... وَ هذا " أنا " دخلْتُ عالَمَهُ راكِضا ، لكنّني لمْ أعرِفْ كيْفَ أخْرُج منْهُ ، ، فهُوَ فضاءٌ يعجّ بالْواحات ، وَ عطشِي كانَ شَديدا .

...
أنظر النصّ :
مشتاقْ أنَا
...
مشْتاقْ انَا
 نْعانق داكْ النّور
مشْتاقْ نربَطْ لمحنة
ونْرِيّبْ داكْ السّورْ
مشْتاقْ انَا  نْعانقْ حَرفْ
و عْلِيهْ  ندورْ و نْدُورْ
عْلى عْنايتِي سلمتْ لْخاطرْ
و بْحرُوفْ  جْدودِي مسْتُورْ
مشْتاقْ أنَا
نبْرّحْ فْ سْوَادْ اللّيلْ
نْعَلّقْ جلّابْتِي
و نْعَمّرها بْخُورْ
مشْتاقْ نْبَرّحْ بْ كْلامْ
و نْفَيّق صْحاب لقْبُور
منْ كَفْنِي نْنسَجْ سلْهام
و منْ عْرُوقي نْسَطّر سْطور
نْغنّي بْ لجْهَـرْ
عْلى حْيوط رَابُو
عْلى داكْ  لْمقْهُور
شْكون سْبابُو
عْلى سِيحةْ لغْدَر
كْلاتُو منْ جْنابُو
عْلى كلْ منْ طْغَى ؤُ تْجَبّر
رْبَحْ أوْ خْسَرْ

فْ لاخْرَة يلْقى جْوَابُو
...
بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي

  من السؤال إلى التسليم في ديوان ( اخْيُوطْ الْڭمْرَة ) للزجال المبدع عبدالحكيم خيي -         تمهيد : في سيمياء الوخز الاجتماعي يوظف...