شُعيب صَالِح ، شاعِرٌ
يَكْتُبُ الْقَصِيدَة مِثْلَما يَتَنَفّس
...
نسَلَ منَ الشّاوِية ، مُحَمّلاً بِعَبَقِ تُرْبَةِ التّيرسْ ، والشّمْسُ في
كَفّهِ قصِيدَة . يَرْكَبُ صَهْوةَ الْحَرْفِ مِثْلَ فارِسٍ أسْلَسَ لهُ فَرَسُهُ الْقِيادَ
حتّى لا مَسافَة بيْنَ الْكلِمَة وَ مَعْناهَا . تَجانُسٌ جمِيلٌ بِضوْءٍ رَبّانيّ
يُلْهِمُ الْقَريحَة مَعالِمَ الْجمالِ ، فلا يَحِيدُ عَنْها إلّا لِيرْجِعَ إلَيْها
رَقِيقاً مِثْلَ شُعاع ... وراقِياً يَنْسَابُ فِي قَلْبِهِ الْيَراع
.
...
ولقدِ اخْترْتُ لهُ فيما حِرْتُ في الْاِختِيارِ ، تُحْفَة بعُنوان " معْدنْ
النّاسْ " نظراً لحُمولَتِها الْحِكمِيّة الْعامِرَة ، كما تَشِي بِذلِكَ عَتَبَةُ
النّصّ ... في ترْكِيبٍ انْزِياحِي يثْلُمُ التّعْبِيرَ الْمألُوفَ بنزْعِ الْإسْنادِ
الْإسمي منْ طبِيعَتِهِ الْفِيزِيقيّة إلى أخرى جمالِية ، يتحَوّلُ فيها مُكوّنُ النّاسُ
إلى مَعادِن ... والْمَعادِنُ فيها الْكَرِيمُ وفِيها الْحضِيضُ ... ولَكَ أنتَ أيّها
الْقارئُ الْجمِيلُ واسِعَ النّظر في اسْتِلْذاذِ الْعُمْقِ الْإنْسانِي في هذه الْقَصِيدَة
.
وزّعَ الشّاعِرُ قَصِيدَتَهُ على نسَقٍ سُداسيّ يَفْضَحُ طَبيعَةَ سِتّةٍ أحْجارٍ
، مِنْها الْمعْدِنُ النّفِيسُ ومِنْها الآخَرُ الْخَسِيسُ ، في تَصَوّرٍ فنّي لا يَحْتَفِلُ
بالْمعادِنِ لِذاتِها ، ولكِن لِما تُمَثّلُهُ منْ وَظِيفيِيّة دلالِيّة باعْتِبارِها
مَطايا اسْتِعارِيّة لِتَبْلِيغِ الرّسالَة ، في أفُقِ تَشْرِيحِ طَبائِعِ النّاس شِعْرِيّا
و بِلُغَةٍ زَجلِيّةٍ جمِيلَة .
- الصّنْفُ الْأوّل
: ناسٌ مِثلَ الْماس ... حجَرٌ كرِيمٌ ونادِرٌ مِثلَ قُلوبِهم الّتي وسَمَها الشّاعِرُ
بالْبَيَاضِ رمزاٌ لِصفاء السّرِيرَة ونَقاءِ الرّوح
- الصّنْفُ الثّاني
: ناسٌ مِثْلَ النّحاس ... معْدِنٌ رَخِيصٌ وافِرٌ مِثلَ وَفْرَتِهِم ، بسِمَة الْخَلْطِ
والاخْتِلاطِ وَ تَعذّرِ صَفاءِ النّوع ... وسَمَهُمُ الشّاعِرُ بسُلْطانِ الْوسْواسِ الْمُدمّر
- الصّنْفُ الثّالِث
: ناسٌ قُدّتْ أخْلاقُهُم منْ لُطْفٍ وَ دماثَة ، أهْلُ حبّ وأنسٍ ومودّة
- الصّنْفُ الرّابِع
: ناسٌ تشَكّلَتْ طِباعُهُمْ منْ هَوَسٍ ، لا يَرْعَوونَ للْحلالِ ويَغْمِسُونَ في
الْحرام ... وَسَمَهُمُ الشّاعِرُ بالْبُخْاِ والْعُزْلَة
- الصّنْفُ الْخامِسُ
: ناسٌ يُحِبّونَ الْمَظاهِرَ ويَعِيشُون على التّفاخُرِ الْخاوِي ، دواخِلُهم فراغٌ
وعَقلُهمْ نَذالَة عَدِيمُو الْعَشِير
- والْمَقْطَع السّادِس
، تَكْسِيرٌ لِتَوَقّعِ الْقارئِ الّذي انْسابَ ذِهنُهُ إلى تِعْدادِ أصْنافِ النّاس
... ذكاءُ الشّاعِرِ أمْلى عَلَيْهِ ألّا يَحْتَكِرَ عَمَلِيّةَ السّرْدِ حتّى لا يَلْبَسَ
عَباءَة الْوِصايَةِ على الْمُتلَقّي ويُوَجّهَ بَوْصَلَتَهُ إلى حيْثُ يَشاء ... فتَرَك
للْمًسْتَمِعِ هامِشا لاسْتِكْمالِ مَشْروعْ فَضْحِ الطّبائعِ النّاقِصَة ، ونَشْرِ
أرِيجِ الأخْلاقِ الفاضِلَة
لا يَهُمّنا ، ولا يَهمّ الشّاعِر ، في هذا السّياقِ نَشْرُ مضْمون الْقصِيدة
في مجالِ تعدادِ الطّبائعِ الْبَشَرِية ، فهذا
وافِرٌ في مضَانّ الْكُتبِ وأحادِيثِ النّاس ... ما يَهُمّنا هو قُدْرة الشّاعِرِ على
رَصْدِ طَبِيعة النّفْسِ البشَرِية بمِبْضَعٍ فنّيّ ، يُلامِسُ الموضُوعَ بملْمَسٍ
منْ حَرِير ، مُتوسّلا أدواتٍ فنيّة ، منْ تشابِيهَ واسْتِعاراتٍ وانْزِياحات ترْقى
بقَصِيدَة الزّجل ، وتُعْلِنُ للعُموم أنّها قادِرَة على احْتِضانِ الْمعنى في أبهى
صُورِه وقادِرة على تَشْرِيحِ الظّواهِر في غَيْرِ ابْتِذال ، ولا تقْرِيرِيّة
تتَجلّى عَبْقرِيّة القَرِيضِ عندَ صاحِبِنا شُعيب صالِح في اخْتِيارِه الذّكيّ
لحرْفِ الرّويّ الْمُتَعدّد : صوتُ السّين بِهَيْمَنَة ايقاعِية جميلَة ، وصَوتُ الْباء
بِتَطْرِيز إيقاعيّ راقٍ ، لِيتَحقّق التّجانُسُ الصّوتيّ بينَ السّينِ والْباءِ في
تَناوُبٍ دلالِيّ يَشُدّ الْأذُنَ إلى بُؤَرِ الْقَصِيد ، ممّا يُكْسِبُ الْبَوحَ موسِيقاهُ
المُفْعَمَة بالتّنوّع ، حتّى لا يَملّ المسْتمِعُ صَفِيرَ السّين
.
في عُجالَة قرأتُ الشّيْخَ الزّجالَ شُعيب ، وأدْرِكُ بأنّ حرْفي لمْ يَرْقَ
إلى مُقارَبَة شعْرِه المُقارَبَة الّتي يَسْتحقّ ، والتّفْكيكَ الّذي يسْتأْهِل ،
والتّحْلِيلَ الّذي يسْتوْجِب ... وحَسْبِي منْ ذاكَ وَ ذا ، أنّني جالَسْتُ الفاضِلَ
صالِح الْمدكوري في قَصيدٍ منْ قصائِدِه الثّرّة الْغَنِيّة ، والّتي أدْعو الذّائِقَة
الزجلِيّة إلى الاهْتِمامِ بِها والْاحْتِفاء ...
فَفي طيّاتِها الْعَجَبُ ، وفِي ثَنايَها الْجمالُ مُنْسَكِبُ
.
...
نون حاء --- أنظر النصّ أسفَلَه
مَعْدَنْ النَّاسْ
..
النَّاسْ بِالنَّاسْ
أُو النَّاسْ قْيَاسْ
فِيهُمْ لَكْيَاسْ
مَعْدَنْهُمْ أَلْمَاسْ
گْلُوبْهُمْ صَافْيَة حْلِيبْ
..
ؤ نَاسْ مَ نْحَاسْ
صْحَابْ لْوَسْوَاسْ
اَنْتَ تَبْنِي السَّاسْ
أُو هُوَ يَرَيَّبْ بْ لفَاسْ
يَعْشَقْ غِيرْ لْعِيبْ
..
وَاحَدْ بْ خْلَاقُو يَتْفَاسْ
مَنْ طَبْعُو وَنَّاسْ
كْبِيرْ الْاحْسَاسْ
عْلَى الْخَير عَسَاسْ
كُلُّو لْطَافَة أُو لْبِيبْ
..
ؤ نَاسْ أَهْوَاسْ
فِي لَحْرَامْ رَفَّاسْ
عْلَى غِيرُو دَرَّاسْ
لِلْخَير حَبَّاسْ
مَا عَنْدُو حْبِيبْ
..
نَاسْ تْفَاخَرْ لْبَاسْ
اُو دَاخَلْهُمْ طْمَاسْ
عْقَلْهُمْ خَسَّاسْ
وْنَاسَتْهُمْ قُرْطَاسْ
تْعَاشَرْهُمْ صْعِيبْ
..
خَلِيكْ لِلْخْيَارْ حَرَّاسْ
كُنْ فِي الْعِلْم غَطَّاسْ
مَاشِي قَاسَحْ الرَّاسْ
كَارَهْ الْخَيرْ خَنَّاسْ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق