الْمدِينَة ، فَضاءُ اغْتِراب
فِي قَصيدَة " فْضالَة لمْفَضْلَة " لحمّو عرْجي
مُقارَبة نورالدّين حنيف
...
شرّفني الفضاءُ الْأزرقُ بْالتّعرّفِ على السيّد " حمّو عَرْجي "
في سِياقِ الصّداقاتِ الْغيرِ مشْروطَة ، والّتي تبْنِيها رَغْبَة في اكْتِشافِ الْجمالِ
هنا وَ هُناك ، في الْاحْتِفالِ الْأبَديّ بِأعراسِ الزّجَلِ الْمغْرِبيّ الْباحِثِ
دَوْماً عنْ شكْلهِ الْهَيُولانِي الْجميلِ الْجلِيلِ ، تُطَرّزُهُ أيْدٍ وارِفَة الْعطاءِ
، متَمَيّزَةِ التطْرِيز ... ابْنُ " فْضالَة " الْفاضِلُ " حمّو عَرْجِي
" واحِدٌ منْ هذِه الثّلّةِ الْمُبَشّرَة بِجنّةِ الْبوحِ الْمخْمليّ
.
وَ هذِه واحِدَةٌ منْ شتّى ، منْ عالَمٍ زَجليّ ، يَنْضَحُ حياةً ، في غيْرِ
بَهْرَجَة ، وَ في غيْرِ تَزاوِيقَ ، وَ في غيْرِ صَخَب . يُلْقِي الشّاعِر "
حمّو " بالْألَق في دُروبِ الْعِشقِ النّقيّ للْجمالِ ، فيَجدُ ألَقُهُ الْآذانَ
الْمُصغِية ، مادامَ قدْ تبنّى الْبَسَاطَة الْمكْتنِزَة فَلْسَفَةً لخطّ بوْحِهِ الْفنيّ
... لا أطيلُ عليْكم ... فهذِه قصيدَتُهُ تتكلّمُ عنْهُ ، لِتُسْكِتَ لَغَطنا الْجميل
...
يُغنّي الشّاعرُ مدِينَتَهُ ، تُرْبَةَ الْخروجِ الْأوّل ، وَ عَجِينَةَ الْانْتماءِ
الْفخور ... يُغنّيها بِطرِيقَتهِ الْخاصّة ، بغَيْرِ دُفوف ولا أوتار ، يُغنّيها وَ
كفى ... يُغنّيها بِصمْتِهِ وَ بِبَصْمَتِه الْمُفْرَدَة ... يُغَنّيها في وَهْمِ الْآخَرِ
الّذي عَزَلَها عنْ سياقِ الْاجْتِماعِ الْمَديني الْمَدنيّ ... يُغنّيها في خَطَلِ
منْ وَسَمها بالْقهْرِ وَ الانْقِهار ... وَ في حُمقِ منْ ظَنّها ابْنَةَ الْخوفِ وَ
التّخلّف ... يُغنّيها وَشْماً غائِرا الاِنْرِسام في وجْدانِ كلّ " فْضاليّ
" غَيور .
لكنّ الشّاعِر ، يُحوّلُ حساسِيَتنا الْقِرائِية إلى منْعَرَجٍ آخر ... وَكأنّهُ
أدْرَكَ أنّ التّوصِيفَ الْباكِي منْزَلَقٌ غيْرُ مأمونِ الْعواقِبِ ، فَدلَفَ بنا
إلى شيءٍ منَ التّمجيدِ والْانْتِصارِ لِأبْنائِها ... وَ حقّ لهُ ذلك ... فالنّاظِرُ
نِصْفَ الْكأسِ ناظِرٌ غيْرُ عادل ... منْ هُنا خَرَج الْمقُولُ إلى وَصْفِ الْقوّة
في ضخْصِ " لعْزارَة " الّذين نوّروا الْمكانَ من سُلْطان الْإعتام ، وَ
حرّروهُ منْ دَرَنِ الْكلابِ ، وَ تغنّوا ، بعْد ذلكَ بالْمدِينَة في انْتصارِها على
الْخواءِ بنَظْمِهم الْقوافِي وَ تطْرِيزهم الْقصائِد ، وَ تطْرِيبِهم وَ إطْرابِهم
وَ طَرَبِهم ، عبْرَ اللّغَة الْمشْترَكة الّتي يعْرِفها أهلُ " فْضالَة
" كلّهم ، ونقْصدُ لغةَ " الْمرْساوي " الّتي اخْتارَها الشّاعِر بِوعْيٍ
منهُ إمْعاناً في ترْسيخِ الْبعدِ الْفنيّ الْمحلّيّ الّذي تشْتركُ فيهِ وجْداناتُ
النّاس بِلا مُنازع ...
هكذا ، خطّ الشاعِرُ خطُوطَ بوْحِهِ ، توْصيفا وتمْجيداً لِينْتهيَ إلى بؤْرَةِ
الْقصيدِ ، حيثُ إحْساسُهُ بالْاغْتِرابِ في مدِينَتِه ، في جلْدٍ فنّيّ للذّاتِ وَهي
تتلقّى الصّدْمَةَ ممّنْ أحبّ ... بعْدَ أنْ
تغَيّرَتْ ملامِحُ الْمدينَة منْ فضاء طبِيعي مُفْعَم باللّون الْجميل { مشْهد الْغروب
} وَ دفْ الْعلاقات { جلساتُ السّمَر } وَ بَراءَة الْورد ، ونقاء التّراب ، وَ عبَق
رائِحة الْبحر الْمعْجونَة بالْمحبّة الصّافية ، وَ ... وَ ... وَ
...
وفِي غَمْرَة الْانْتماءِ وَ الْفخر بهذا الْانْتماء ، تأتي ضَرْبَة الاغْتِراب
قاسيّة ، قاصِمَة لِظهْرِ الذّات { قتْلُو لْورْدْ ؤُ حسْبُونِي برّانِي
} .
الشّاعرُ " حمّو عرْجي " ينْظِمُ الذأتَ ولا ينْظِمُ الْقصيدة وحْدها
، في تماهٍ غَريبٍ وَ جميلٍ بين الْأقْنوميْنِ ، حتّى لا قِبَلَ للْقارئ بالْفصْلِ بيْنَ الذّوات ... هو وحْدَهُ
الشّاعِرُ الْمفْرَدُ في انْتِمائِهِ وَ الْمفْرَدُ حتّى في اغْتِرابِهِ ، قادِرٌ على
ذلك ، لأنّهُ يُمْسِكُ بأطْرافِ الْأقْنوميْنِ بكفّ منْ حرير ، ولا أدلّ على ذلكَ أنّهُ
لمْ يضَعْ مدِينَتَهُ الّتي صدمتْهُ في قفصِ الْاتّهامِ ، بلْ عاتَبَها في صمْتِ الْحكيمِ
الّذي يُحبّ الْمُعاتَبَ ولا يُريدُ قهْرَه
...
شكراً للْوارِفِ " حمّو " على هذه الْجلْسَة الْمُمتِعَة
...
أنظر النصّ :
فْضالَة لمْفَضلَة
_________
لا تْگولْ
فْضالَة
بْلا مّالِي
لا تْگولْ
جَابتنا لْقهْرة
ؤ لعْتالي
لا تْگولْ
وْصلنا بْلا مّاصلْ
راهْ بينْ النْوايلْ
كانْ لْخُوف حاصلْ
خرجُو لعْزارَة
ضوّاوْ الظْلامْ
بْ لعْوافِي
حَرّو لْحُرّة
مَ لْكلابْ
ؤُ نَضْمو لقْوافِي
كانتْ لقْصِيدة
قصْبَة
بابْ لمْحَبّة
منْ مْشاربْ التْرابْ
غَنّاو لحْبَابْ
عَيْطة مرْساوِية
حَاتْـلة فْ لْگلبْ
راسْية فْ لمرْسَى
فاَلْها الجامعْ لبْيَض
ولْعالْيَة سارْيَة
طالّة علْ لبْحَر
زْرُوقيتْ السْما
منْ ماهْ
ؤُ رْمالو ذهْبيّة
علّمْتيني يا مْدِينْتي
بْجوْ سْماكْ الصّافي
نعشقْ لبحَرْ
ؤ نقطفْ من نْسيمْ رِيحتكْ
مَسكْ اللّيلْ
مْعطّر بجوْ سْماك
ؤُ مْندّي بْ ما بحْركَ
واشْمَة غْروب الشّمسْ
بينْ حْضَانك
علّمتِيني يا مْدينتِي
نحسبْ النّجومْ
طلّة فْ لافَاليزْ
تْفَاجِي لهمُومْ
كانْ الصبرْ
ؤبانْ لغدرْ
ضاقتْ النفُوسْ
وْ بناوْ لحيُوطْ
صْفُوفْ صفوفْ
دكّو لَرضْ
قتْلو لورْدْ
ؤُ حسْبُوني برّانِي
...
بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق